|
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱
المؤلف: الشیخ محسن الأراکي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٣۸
والرومي وغيرها من سائر الکتابة، التي هي متفرقة في الأمم، إنّما اصطلحوا عليها کما اصطلحوا على الکلام، فيقال لمن ادّعىٰ ذلک: إنّ الإنسان وإن کان له في الأمرين جميعاً فعل أو حيلة، فإنّ الشيء الذي يبلغ به ذلک الفعل والحيلة عطية وهبة من الله عزّ وجلّ له في خلقه، فإنّه لو لم يکن له لسان مهياً للکلام، وذهن يهتدي به للأمور، لم يکن ليتکلّم أبداً، ولو لم تکن له کفّ مهيئة وأصابع للکتابة، لم يکن ليکتب أبداً. واعتبر ذلک من البهائم التي لا کلام لها ولا کتابة، فأصل ذلک فطرة الباري جلّ وعزّ، وما تفضّل به على خلقه، فمن شکر أثيب، ومن کفر فإنّ الله غني عن العالمين.
[إعطاء الإنسان ما يصلح دينه ودنياه]
فکّر - يا مفضّل - فيما أعطي الإنسان علمه وما منع، فإنّه أعطي جميع علم ما فيه صلاح دينه ودنياه، فممّا فيه صلاح دينه معرفة الخالق تبارک وتعالى وبالدلائل والشواهد القائمة في الخلق، ومعرفة الواجب عليه، من العدل على الناس کافة، وبرّ الوالدين، وأداء الأمانة، ومواساة أهل الخلة، وأشباه ذلک، مما قد توجد معرفته، والإقرار والاعتراف به في الطبع والفطرة، من کل أمة موافقة أو مخالفة، وکذلک أعطي علم ما فيه صلاح دنياه، کالزراعة والغراس، واستخراج الأرضين، واقتناء الأغنام، والأنعام واستنباط المياه، ومعرفة العقاقير التي يستشفي بها من ضروب الأسقام، والمعادن التي يستخرج منها أنواع الجواهر، ورکوب السفن، والغوص في البحر، وضروب الحيل في صيد الوحش والطير والحيتان، والتصرف في الصناعات ووجوه المتاجر والمکاسب، وغير ذلک مما يطول شرحه ويکثر تعداده، مما فيه صلاح أمره في هذه الدار، فأُعطي علم ما يصلح به دينه ودنياه، ومنع ما سوى ذلک، ممّا ليس في شأنه ولا طاقته أن يعلم؛ کعلم الغيب وما هو کائن، وبعض قد کان أيضاء کعلم ما فوق السماء وما تحت الأرض، وما في لجج البحار وأقطار العالم، وما في قلوب وما في الأرحام، وأشباه هذا مما حجب عن الناس علمه. وقد ادّعت طائفة من الناس هذه الأمور، فأبطل دعواهم ما يبيّن من
|