تحمیل PDF هویة الکتاب الفهرست
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱    المؤلف: الشیخ محسن الأراکي    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٣۹   

خطئهم، فيما يقصون عليه ويحکمون به فيما ادعوا عليه، فانظر کيف أعطي الإنسان علم جميع ما يحتاج إليه لدينه ودنياه، وحجب عنه ما سوى ذلک؛ ليعرف قدره ونقصه، وکلا الأمرين فيها صلاحه.
[ما ستر عن الإنسان علمه من مدة حياته]
تأمل الآن - يا مفضّل - ماستر عن الإنسان علمه من مدة حياته، فإنّه لو عرف مقدار عمره - وکان قصير العمر - لم يتهنأ بالعيش، مع ترقّب الموت وتوقّعه، لوقتٍ قد عرفه، بل کان يکون بمنزلة من قد فنی ماله، أو قارب الفناء، فقد استشعر الفقر، والوجل من فناء ماله وخوف الفقر على أن الذي يدخل على الإنسان فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال، لأنّ من يقلّ ماله يأمل أن يستخلف منه، فيسکن إلى ذلک، ومن أيقن بفناء العمر استحکم عليه اليأس وإن کان طويل العمر، ثم عرف ذلک، وثق بالبقاء، وانهمک في اللذات والمعاصي، وعمل على أنّه يبلغ من ذلک شهوته، ثم يتوب في آخر عمره. وهذا مذهب لا يرضاه الله من عباده ولا يقبله، ألا ترى لو أنّ عبداً لک عمل على أنّه يسخطک سنة ويرضيک يوماً أو شهراً، لم تقبل منه، ولم يحلّ عندک محلّ العبد الصالح دون أن يضمر طاعتک ونصحک في کل الأمور، وفي کل الأوقات، على تصرف الحالات؟
فإن قلت: أو ليس قد يقيم الإنسان على المعصية حيناً ثم يتوب فتقبل توبته؟ قلنا: إنّ ذلک شيء يکون من الإنسان لغلبة الشهوات له و ترکه مخالفتها، من غير أن يقدرها بنفسه، ويبني عليه أمره، فيصفح الله عنه، ويتفضل عليه بالمغفرة. فأمّا من قدّر أمره على أن يعصي ما بدا له، ثم يتوب آخر ذلک، فإنّما يحاول خديعة من لا يخادع، بأن يتسلف (1) التلذّذ في العاجل، ويعد ويمني نفسه التوبة في الآجل، ولأنّه لا يفي بما يعد


1. التسلّف: الاقتراض، کأنّه يجري معاملة مع ربّه بأن يتصرف في اللذات عاجلاً ويعد ربه في عوضها
التوبة ليؤدي إليه آجلاً.


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب الفهرست