تحمیل PDF هویة الکتاب الفهرست
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱    المؤلف: الشیخ محسن الأراکي    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٤٠   

من ذلک، فإنّ النزوع الترفيه والتلذذ ومعاناة (1) التوبة، ولا سيما عند الکبر وضعف البدن، أمر صعب، ولا يؤمن على الإنسان، مع مدافعته بالتوبة أن يرهقه الموت، فيخرج من الدنيا غير تائب، کما قد يکون على الواحد دين إلى أجل، وقد يقدر على قضائه، فلايزال يدافع بذلک حتى يحلّ الأجل، وقد نفذ المال، فيبقى الدين قائماً عليه. فکان خير الأشياء للإنسان أن يستر عنه مبلغ عمره، فيکون طول عمره يترقّب الموت، فيترک المعاصي، ويؤثر العمل الصالح.
فإن قلت: وها هو الآن ستر عنه مقدار حياته، وصار يترقّب الموت في کل ساعة يقارف (2) الفواحش وينتهک المحارم(3) .
قلنا: إنّ وجه التدبير في هذا الباب، هو الذي جرى عليه الأمر، فإن کان الإنسان مع ذلک لا يرعوي (4) ولا ينصرف عن المساوي، فإنّما ذلک من مرحه ومن قساوة قلبه، لا من خطأ في التدبير، کما أنّ الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به، فإن کان المريض مخالفاً لقول الطبيب، لا يعمل بما يأمره ولا ينتهي عمّا ينهاه عنه، لم ينتفع بصفته، ولم تکن الإساءة في ذلک للطبيب بل للمريض، حيث يقبل منه، ولئن کان الإنسان مع ترقّبه للموت کل ساعة لا يمتنع عن المعاصي، فإنّه لو وثق بطول البقاء کان أحرى بأن يخرج إلى الکبائر الفظيعة، فترقّب الموت على کل حال خير له من الثقة بالبقاء، ثم إنّ ترقّب الموت وإن کان صنف من الناس يلهون عنه، ولا يتّعظون به، فقد يتّعظ به صنف آخر منهم، وينزعون عن المعاصي، ويؤثرون العمل الصالح، ويجودون بالأموال والعقائل(5) النفيسة في الصدقة على الفقراء والمساکين، فلم يکن من العدل أن يحرم


1. المعاناة: مقاساة العناء والمشقة.
۲. في المطبوع: يفارق، ولا يستقيم المعنی بها، وفي البحار: يقارف.
٣. المحارم جمع محرم وهو الحرام. .
4. الارعواء: الکفّ عن الشيء، أو الندم على الشيء والانصراف عنه و ترکه.
5 . العقائل: جمع عقيلة، والعقيلة من الإبل: هي الکريمة، والعقيلة من کل شيء: هي أکرمه.


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب الفهرست