|
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱
المؤلف: الشیخ محسن الأراکي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٤۸
ذلک: أنّه إن لم يکن خالق ومدبّر فلم لا يکون ما هو أکثر من هذا وأفظع؟ فمن ذلک أن تسقط السماء على الأرض، وتهوي الأرض فتذهب سفلاً، وتتخلّف الشمس عن الطلوع أصلاً، وتجّف الأنهار والعيون حتى لا يوجد ماء للشفة، وترکد الريح حتى تخم الأشياء وتفسد، ويفيض ماء البحر على الأرض فيغرقها؟
ثم هذه الآفات التي ذکرناها من الوباء والجراد وما أشبه ذلک ما بالها لا تدوم وتمتد حتى تجتاح کل ما في العالم، بل تحدث في الأحايين، ثم لا تلبث أن ترفع؟ أفلا ترى أنّ العالم يصان ويحفظ من تلک الأحداث الجليلة التي لو حدث شيء منها کان فيه بواره ويلذع (1) أحيانا بهذه الآفات اليسيرة، لتأديب الناس وتقويمهم، ثم لاتدوم هذه الآفات، بل تکشف عنهم عند القنوط منهم، فيکون وقوعها بهم موعظة وکشفها عنهم رحمة.
وقد أنکرت المنانية من المکاره والمصائب التي تصيب الناس فکلاهما يقول: إن کان للعالم خالق رؤوف رحيم، فلم تحدث فيه هذه الأمور المکروهة؟! والقائل بهذا القول يذهب إلى أنه ينبغي أن يکون عيش الإنسان في هذه الدنيا صافياً من کل کدر، ولو کان هکذا کان الإنسان يخرج من الأشر(2) والعتو(۳) إلى ما لا يصلح في دين ولا دنيا، کالذي ترى کثيرة من المترفين ومن نشأ في الجدة والأمن، يخرجون إليه أن أحدهم ينسى أنّه بشر، وأنه مربوب أو أنّ ضرراً يمسّه، أو أنّ مکروها ينزل به، أو أنّه يجب عليه أن يرحم ضعيفاً أو يواسي فقيراً، أو يرثي المبتلي، أو يتحنّن على ضعيف، أو يتعطف على مکروب، فإذا عضّته المکاره ووجد مضضها، اتّعظ وأبصر کثيرا مما کان جهله وغفل عنه، ورجع إلى کثير مما کان يجب عليه.
1.يقال: لذعته النار أي أحرقته، ولذعه بلسانه أي أوجعه بکلام.
٢. الأشر: البطر.
٣. العتو، بالضم: الاستکبار وتجاوز الحدّ.
|