|
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱
المؤلف: الشیخ محسن الأراکي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۵۱
قطعت الريح شجرة أو قطعت نخلة، أخذها الصانع الرفيق، واستعملها في ضروب من المنافع، فکذلک يفعل المدبّر الحکيم في الآفات التي تنزل بالناس في أبدانهم وأموالهم، فيصيرها جميعاً إلى الخير والمنفعة.
فإن قال: ولم تحدث على الناس؟
قيل له: لکيلا يرکنوا إلى المعاصي من طول السلامة، فيبالغ الفاجر في رکوب المعاصي، ويفتر الصالح عن الاجتهاد في البر، فإنّ هذين الأمرين جميعاً يغلبان على الناس في حال الخفض والدعة والحوادث التي تحدث عليهم، تردعهم وتنبهّهم على ما فيه رشدهم، فلو خلوا منها لغلوا في الطغيان والمعصية، کما غلا الناس في أول الزمان، حتى وجب عليهم البوار بالطوفان وتطهير الأرض منهم.
[الموت والفناء وانتقاد الجهّال وجواب ذلک ]
وممّا ينتقده الجاحدون للعمد والتقدير الموت والفناء، فإنّهم يذهبون إلى أنّه ينبغي أن يکون الناس مخلّدين في هذه الدنيا. مبرّئين من هذه الآفات، فينبغي أن يساق هذا الأمر إلى غايته، فينظر ما محصوله. أفرأيت لو کلّ من دخل العالم ويدخله يبقون، ولا يموت أحد منهم، ألم تکن الأرض تضيق بهم، حتى تعوزهم المساکن والمزارع والمعائش؟ فإنّهم - والموت يفنيهم أولاً فأولاً - يتنافسون في المساکن والمزارع، حتى تنشب بينهم في ذلک الحروب، و تسفک فيهم الدماء، فکيف کانت تکون حالهم لو کانوا يولدون ولا يموتون، وکان يغلب عليهم الحرص والشره و قساوة القلوب؟ فلو وثقوا بأنّهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشيء يناله، ولا أفرج لأحد عن شيء يسأله، ولا سلا عن شيء مما يحدث عليه، ثم کانوا يملّون الحياة وکل شيء من أمور الدنيا کما قد يمل الحياة من طال عمره، حتى يتمنى الموت والراحة من الدنيا.
فإن قالوا: إنّه کان ينبغي أنّه يرفع عنهم المکاره والأوصاب حتى لا يتمنّوا الموت
|