|
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱
المؤلف: الشیخ محسن الأراکي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۵۲
ولايشتاقوا إليه. فقد وصفنا ما کان يخرجهم إليه من العتو والأشر الحامل لهم على ما فيه فساد الدنيا والدين.
وإن قالوا: إنّه کان ينبغي أن لا يتوالدوا کيلا تضيق عنهم المساکن والمعائش.
قيل لهم: إذا کان يحرم أکثر هذا الخلق دخول العالم والاستمتاع بنعم الله تعالی ومواهبه في الدارين جميعاً إذا لم يدخل العالم إلّا قرن(1) واحد، لا يتوالدون ولايتناسلون.
فإن قالوا: إنّه کان ينبغي أن يخلق في ذلک القرن الواحد من الناس مثل ما خلق ويخلق إلى انقضاء العالم.
يقال لهم: رجع الأمر إلى ما ذکرنا من ضيق المساکن والمعائش عنهم، ثم لو کانوا لايتوالدون ولا يتناسلون لذهب موضع الأنس بالقرابات وذوي الأرحام والانتصار بهم عند الشدائد، وموضع تربية الأولاد والسرور بهم، ففي هذا دليل على أن کلمّا تذهب إليه الأوهام - سوي ما جرى به التدبير - خطأ وسفه من الرأي والقول.
ولعلّ طاعناً يطعن على التدبير من جهة أخرى فيقول: کيف يکون هاهنا تدبير، ونحن نرى الناس في هذه الدنيا من عزيز، فالقوي يظلم ويغصب، والضعيف يظلم ويسالم الخسف، والصالح فقير مبتلى، والفاسق معافي موسّع عليه، ومن رکب فاحشة أو انتهک محرماً لم يعاجل بالعقوبة، فلو کان في العالم تدبير لجرت الأمور على القياس القائم، فکان الصالح هو المرزوق، والطالح هو المحروم، وکان القوي يمنع من ظلم الضعيف، والمنتهک للمحارم يعاجل بالعقوبة؟!
فيقال جواب ذلک: إنّ هذا لو کان هکذا لذهب موضع الإحسان الذي فضل به الإنسان على غيره من الخلق، وحمل النفس على البر والعمل الصالح احتساباً للثواب،
1. المراد بالقرن هنا أهل زمان واحد، والجمع قرون.
|