|
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱
المؤلف: الشیخ محسن الأراکي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۵٣
وثقة بما وعد الله عنه، ولصار الناس بمنزلة الدواب التي تساس بالعصا والعلف، ويلمع لها بکل واحد منهما ساعة فساعة فتستقيم على ذلک، ولم يکن أحد يعمل على يقين بثواب أو عقاب، حتى کان هذا يخرجهم عن حدّ الإنسية إلى حدّ البهائم، ثم لا يعرف ما غاب، ولا يعمل إلا على الحاضر من نعيم الدنيا، وکان يحدث من هذا أيضاً أن يکون الصالح إنّما يعمل للرزق والسعة هذه الدنيا، ويکون الممتنع من الظلم والفواحش إنّما يکفّ عن ذلک لترقب عقوبة تنزل به من ساعته، حتى تکون أفعال الناس کلّها تجري على الحاضر لا يشوبه شيء من اليقين بما عند الله، ولا يستحقّون ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها، مع أن هذه الأمور التي ذکرها الطاعن من الغني والفقر والعافية والبلاء ليست بجارية على خلاف قياسه، بل قد تجري على ذلک أحياناً والأمر المفهوم.
فقد ترى کثيراً من الصالحين يرزقون المال لضروب من التدبير، وکيلا يسبق إلى قلوب الناس أن الکفار هم المرزوقون، والأبرار هم المحرومون، فيؤثرون الفسق الصلاح، وترى کثيراً من الفسّاق يعاجلون بالعقوبة إذا تفاقم طغيانهم وعظم ضررهم على الناس وعلى أنفسهم، کما عوجل فرعون بالغرق، وبخت نصّر (1) بالتيه، وبلبيس (2) بالقتل وإن أمهل بعض الأشرار بالعقوبة، وآخر بعض الأخيار بالثواب إلى الدار الآخرة، لأسباب تخفى على العباد، لم يکن هذا مما يبطل التدبير، فإنّ مثل هذا قد يکون من ملوک الأرض ولا يبطل تدبيرهم، بل يکون تأخيرهم ما أخّروه، و تعجيلهم ما عجّلوه داخلاً في صواب الرأي والتدبير وإذا کانت الشواهد تشهد، وقياسهم يوجب أن للأشياء
۱. أو نبوخذ نصر کان أعظم ملوک الکلدانيين، ملک في بابل من سنة 604 إلى سنة 561 ق م، وقد وصف بالقوة والبأس، وعدّ من أبطال التاريخ في الشرق، وجاء ذکره في التوراة کثيراً لأنّه عاقب الأمم الغربية عقاباً شديداً، وهاجم اليهود - سکان مملکة يهوذا الصغيرة - هجوما صاعقا بعد أن أجلى أکثرهم إلى بابل، ودمرّ عاصمتهم أورشليم تدميراً شديداً.
۲. کذا في الأصل، لم نجده فيما بين أيدينا من الکتب.
|