|
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱
المؤلف: الشیخ محسن الأراکي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۵۵
عن دلائل الحکمة في الخلق حتى نسبه إلى الخطأ، ونسب خالقه إلى الجهل تبارک الحکيم الکريم!
[انتقاد المعطّلة فيما راموا أن يدرکوا بالحسّ ما لا يدرک بالعقل]
وأعجب منهم جميعاً (المعطلة) الذين راموا أن يدرکوا بالحسّ ما لا يدرک بالعقل، فلمّا أعوزهم ذلک خرجوا إلى الجحود والتکذيب، فقالوا: ولم لا يدرک بالعقل؟ قيل: لأنّه فوق مرتبة العقل، کما لا يدرک البصر ما هو فوق مرتبته، فإنّک لو رأيت حجراً يرتفع في الهواء علمت أنّ رامياً رمیٰ به، فليس هذا العلم من البصر، بل من قبل العقل؛ لأنّ العقل هو الذي يميّزه، فيعلم أن الحجر لا يذهب علواً من تلقاء نفسه، أفلا ترى کيف وقف البصر على حده، فلم يتجاوزه، فکذلک يقف العقل حدّه من معرفة الخالق فلا يعدوه، ولکن يعقله بعقل أقرّ فيه نفساً ولم يعاينها، ولم يدرکها بحاسّةً من الحواسّ.
وعلى حسب هذا أيضأ نقول: إنّ العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار، ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته.
فإن قالوا: فکيف يکلّف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف، ولا يحيط به؟
قيل لهم: إنّما کلّف العباد من ذلک ما في طاقتهم أن يبلغوه، وهو أن يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه، ولم يکلّفوا الإحاطة بصفته، کما أنّ الملک لا يکلّف رعيته أن يعلموا أطويل هو أم قصير، وأبيض هو أم أسمر، وإنّما يکلّفهم الاذعان لسلطانه، والانتهاء إلى أمره. ألا ترى أنّ رجلاً لو أتى باب الملک، فقال: أعرض علىَّ نفسک حتى أتقصّىٰ معرفتک، وإلّا لم أسمع لک کان قد أحلّ نفسه بالعقوبة، فکذا القائل أنّه لا يقرّ بالخالق سبحانه حتى يحيط بکنهه متعرضاً لسخطه!
فإن قالوا: أو ليس قد نصفه فنقول: هو العزيز الحکيم الجواد الکريم؟
قيل لهم: کل هذه صفات إقرار، وليست صفات إحاطة، فإنّا نعلم أنّه حکيم، ولا نعلم بکنه ذلک منه، وکذلک قدير و جواد وسائر صفاته، کما قد نرى السماء، فلا ندري ما
|