تحمیل PDF هویة الکتاب الفهرست
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱    المؤلف: الشیخ محسن الأراکي    الجزء: ۱    الصفحة: ۱۵٦   

جوهرها، ونرى البحر ولا ندري أين منتهاه، بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له، ولأنّ الأمثال کلّها تقصر عنه، ولکنّها تقود العقل إلى معرفته.
فإن قالوا: ولم يختلف فيه؟
قيل لهم: لقصر الأوهام عن مدى عظمته، وتعدّيها أقدارها في طلب معرفته، وأنّها تروم الإحاطة به، وهي تعجز عن ذلک وما دونه.
فمن ذلک هذه الشمس التي تراها تطلع على العالم ولا يوقف على حقيقة أمرها، ولذلک کثرت الأقاويل فيها، واختلفت الفلاسفة المذکورون في وصفها، فقال بعضهم: هو فلک أجوف مملوء ناراً، له فم يجيش بهذا الوهج والشعاع، وقال آخرون: هو سحابة، وقال آخرون: جسم زجاجي، يقل نارية في العالم، ويرسل عليه شعاعها، وقال آخرون: هو صفو لطيف ينعقد ماء البحر، وقال آخرون: هو أجزاء کثيرة مجتمعة من النار، وقال آخرون: هو من جوهر خامس سوى الجواهر الأربعة. ثم اختلفوا في شکلها، فقال بعضهم: هي بمنزلة صفيحة عريضة، وقال آخرون: هي کالکرة المدحرجة. وکذلک اختلفوا في مقدارها، فزعم بعضهم أنّها مثل الأرض سواء، وقال آخرون: بل هي أقلّ من ذلک، وقال آخرون بل هي أعظم من الجزيرة العظيمة. وقال أصحاب الهندسة: هي أضعاف الأرض مائة وسبعين مرة.
ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم في الشمس، دليل على أنّهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها، فإذا کانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر، يدرکها الحسّ، قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها، فکيف ما لطف عن الحسّ واستتر عن الوهم؟ |
فإن قالوا: ولم استتر؟
قيل لهم: لم يستتر بحيلة يخلص إليها، کمن يحتجب من الناس بالأبواب والستور، وإنّما معنى قولنا: استتر، إنّه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام، کما لطفت النفس، وهي خلق من خلقه، وارتفعت عن إدراکها بالنظر.



«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب الفهرست