|
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱
المؤلف: الشیخ محسن الأراکي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۵۸
فقيل لهم: فمن أعطى الطبيعة هذه الحکمة، والوقوف على حدود الأشياء بلا مجاوزة لها، وهذا قد تعجز عنه العقول بعد طول التجارب؟ فإن أوجبوا للطبيعة الحکمة والقدرة على مثل هذه الأفعال، فقد أقرّوا بما أنکروا؛ لأنّ هذه في صفات الخالق، وإن أنکروا أن يکون هذا للطبيعة، فهذا وجه الخلق يهتف بأنّ الفعل للخالق الحکيم، وقد کان من القدماء طائفة أنکروا العمد والتدبير في الأشياء، وزعموا أنّ کونها بالعرض والاتفاق، وکان ممّا احتجوا به هذه الآيات التي تکون على غير مجرى العرف والعادة کانسان يولد ناقصاً أو زائداً أصبعاً، أو يکون المولود مشوّهاً مبدّل الخلق، فجعلوا هذا دليلاً على أنّ کون الأشياء ليس بعمد و تقدير بل بالعرض کيف ما اتفق أن يکون؟
وقد کان ارسطاطاليس (1) ردّ عليهم فقال: إنّ الذي يکون بالعرض والاتفاق إنّما هو شيء يأتي في الفرط مرة لأعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها، وليس بمنزلة الأمور الطبيعية الجارية شکل واحد جرية دائما متتابعة.
وأنت - يا مفضّل - ترى أصناف الحيوان أن يجري أکثر ذلک على مثال ومنهاج واحد، کالإنسان يولد وله يدان ورجلان وخمس أصابع، کما عليه الجمهور من الناس، فأمّا ما يولد على خلاف ذلک، فإنّه لعلّة تکون في الرحم، أو في المادة التي ينشأ منها الجنين، کما يعرض في الصناعات، حين يتعمد الصانع الصواب في صنعته، فيعوق دون ذلک عائق في الأداة، أو في الألة التي يعمل فيها الشيء، فقد يحدث مثل ذلک في أولاد
1. ارسطاطاليس: لفظة يونانية معناها محبّ الحکمة، ويقال: ارسطو، وهو إحدى الشخصيات العالمية التي اشتهرت منذ قرون بعيدة، کان تلميذاً لأفلاطون بعد أن خلفه على دار التعليم عند غيبته إلى صقلية، نظر في الفلسفة بعد أن أتى عليه من العمر (۳۰) عاما. کان بليغ اليونانيين وأجلّ علمائهم، کما کان من ذوي الأفکار العالية في الفلسفة، ويعرف بالمعلم الأول لأنّه أول من جمع علم المنطق و رتّبه واخترع فيه، وقد عظم محلّه عند الملوک، حتى أنّ الإسکندر الأکبر کان يمضي الأمور عن رأيه، عاش سبعاً وستين سنة، بعد أن توفي في خلکيس عام ۳۲۲ قبل الميلاد، وله کتب کثيرة في مختلف فروع العلم.
|