|
اسم الکتاب: سنن النبي
المؤلف: العلامة الطباطبائي
الجزء: ۱
الصفحة: ٦٣
ونذکرک کثیرا " واستشهد على صدقه فی دعواه بعلم الله نفسه بإلقاء أنفسهما بین یدیه وعرضها علیه فقال: " إنک کنت بنا بصیرا " وعرض السائل المحتاج نفسه فی حاجتها على المسؤول الغنی الجواد من أقوى ما یهیج عاطفة الرحمة لأنه یفید إراءة نفس الحاجة فوق ما یفیده ذکر الحاجة باللسان الذی لا یمتنع علیه أن یکذب. ومنه ما حکى الله عنه مما دعا به على فرعون وملئه إذ قال: " وقال موسى ربنا إنک آتیت فرعون وملأه زینة وأموالا فی الحیاة الدنیا ربنا لیضلوا عن سبیلک ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا یؤمنوا حتى یروا العذاب الألیم * قال قد اجیبت دعوتکما فاستقیما ولا تتبعان سبیل الذین لا یعلمون " [1]. الدعاء لموسى وهارون ولذلک صدر بکلمة " ربنا " ویدل على ما فی الآیة التالیة: " قال قد اجیبت دعوتکما " دعیا أولا على أموالهم أن یطمس الله علیها ثم على أنفسهم أن یشد الله على قلوبهم فلا یؤمنوا حتى یروا العذاب الألیم فلا یقبل إیمانهم کما قال تعالى: " یوم یأتی بعض آیات ربک لا ینفع نفسا إیمانها لم تکن آمنت من قبل أو کسبت فی إیمانها خیرا " [2] أی انتقم منهم بتحریم الإیمان علیهم بمفاجأة العذاب کما حرموه على عبادک بإضلالهم. وهذا أشد ما یمکن أن یدعى به على أحد، فإنه الدعاء بالشقوة الدائمة ولا شئ شرا منه بالنسبة إلى إنسان. والدعاء بالشر غیر الدعاء بالخیر حکما، فإن الرحمة الإلهیة سبقت غضبه، وقد قال لموسى فیما أوحى إلیه: " عذابی اصیب به من أشاء ورحمتی وسعت کل شئ " [3] فسعة الرحمة الإلهیة تقضی بکراهیة إصابة الشر والضر لعبد من عباده وإن کان ظالما، ویشهد بذلک ما یفیض الله سبحانه من نعمه علیهم وسترهم بکرمه وأمره عباده بالحلم والتصبر عند جهالتهم وخرقهم، اللهم إلا فی إقامة حق لازم، أو عند اضطرار فی مظلمة إذا کانوا على علم بأن مصلحة ملزمة کمصلحة الدین أو
[1] یونس: 88 و 89. [2] الأنعام: 158. [3] الأعراف: 156.
|