|
اسم الکتاب: التفسیر الجامع - المجلد ۱
المؤلف: الشیخ الدکتور محمد عبد الستار سید
الجزء: ۱
الصفحة: ٦٤
عباده وعن الّذین لم یتوبوا بعد، فتوبوا حتّى أقبل توبتکم. فهذه دعوة إلى التّوبة أشار إلیها حرف واحد (عن).
وهناک مثال آخر عن الإعجاز فی قوله سبحانه وتعالى فی خطاب عیسى علیه السَّلام لربّه فی سورة (المائدة): ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُکَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّکَ أَنتَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ﴾ [المائدةٍ]، ولم یقل: (فإنّک أنت الغفور الرّحیم)، ولو قال ذلک فکأنّه یجبر الله سبحانه وتعالى بأن یغفر لهم ویرحمهم، وهذا یتنافى مع الأدب فی خطابنا مع الله عزَّوجل، فقال: ﴿الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ﴾ أی الّذی یستغنی عن عبادة خلقه، فقال: العزیز: أی إنّک مستغنٍ عن عبادتهم، وأنت حکیمٌ فی قرارک: تضعهم فی النّار أو تغفر فتضعهم فی الجنّة، وهذا أدب الخطاب الإلهیّ.
فهذا القرآن کلام الله سبحانه وتعالى، وهو کلامٌ مقدّسٌ معجِزٌ، ولا یمکن للفصحاء والبلغاء والعلماء فی کلّ الأزمان أن یصلوا إلى عطاءات وکمالات کتاب الله سبحانه وتعالى کلّها.
ومثالٌ آخر فی قوله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِی خَلَقَنِی فَهُوَ یَهْدِینِ (78) وَالَّذِی هُوَ یُطْعِمُنِی وَیَسْقِینِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ یَشْفِینِ (80) وَالَّذِی یُمِیتُنِی ثُمَّ یُحْیِینِ (81) وَالَّذِی أَطْمَعُ أَن یَغْفِرَ لِی خَطِیئَتِی یَوْمَ الدِّینِ (82) رَبِّ هَبْ لِی حُکْمًا وَأَلْحِقْنِی بِالصَّالِحِینَ﴾ [الشّعراء]، ولا یمکن لأیّ بشر فی الدّنیا أن تخطر فی باله هذه اللّطائف البسیطة الدّقیقة المعجزة الهامّة جدّاً، فعند قوله: ﴿الَّذِی خَلَقَنِی فَهُوَ یَهْدِینِ﴾ أتى بکلمة (هو) للتّأکید على أنّ الهدایة من عند الخالق سبحانه وتعالى؛ لأنّ الکثیر من البشر قد یقول: أنا أهدی، فالمعلّم قد یقول: أنا أهدی، وعالم الشّریعة
|