تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٠٣   

إذا قیل له : ما اسم شئ صفته کذا وکذا ؟ فلم
یعلم ، کان أبلغ عذرا ممن عرض علیه شئ بعینه ، وسئل عن اسمه فلم یعرفه .
وبین بذلک أن آدم علیه السلام ، أصلح لکدخدائیة الأرض ، وعمارتها ، لاهتدائه إلى ما لا
تهتدی الملائکة إلیه من الصناعات المختلفة ، وحرث الأرض وزراعتها ، وانباط
الماء ( 1 ) ، واستخراج الجواهر من المعادن وقعر البحار ، بلطائف الحکمة . وهذا
یقوی قول من قال : إنه علمه خواص الأشیاء وأراد به أنکم إذا عجزتم عن معرفة هذه
الأشیاء ، مع مشاهدتکم لها ، فأنتم عن معرفة الأمور المغیبة عنکم أعجز .
( فقال أنبئونی بأسماء هؤلاء إن کنتم صادقین ) : إن سئل فقیل : ما الذی
ادعت الملائکة حتى خوطبوا بهذا ؟ وکیف أمرهم الله سبحانه أن یخبروا بما لا
یعلمون ؟ فالجواب : إن للعلماء فیه وجوها من الکلام : أحدها : إن الله تعالى لما
أخبر الملائکة بأنه جاعل فی الأرض خلیفة ، هجس ( 2 ) فی نفوسها أنه إن کان الخلیفة
منهم بدلا من آدم وذریته ، لم یکن فی الأرض فساد ، ولا سفک دم ، کما یکون فی
ولد آدم ، وإن کان الله لا یفعل إلا ما هو الأصلح فی التدبیر ، والأصوب فی
الحکمة ، فقال الله تعالى ( أنبئونی بأسماء هؤلاء إن کنتم صادقین ) فیما ظننتم من
هذا المعنى ، لیدلهم على أنهم إذا لم یعلموا باطن ما شاهدوا ، فهم من أن یعلموا
باطن ما غاب عنهم أبعد وثانیها : إنه خطر ببالهم أنه لن یخلق الله خلقا إلا وهم أعلم
منه وأفضل ، فی سائر أنواع العلم ، فقیل : " إن کنتم صادقین " فی هذا الظن ،
فأخبروا بهذه الأسماء . وثالثها : إن المراد إن کنتم صادقین فی أنکم تعلمون ، لم
أجعل فی الأرض خلیفة ، أنبئونی بأسماء هؤلاء إن کنتم صادقین ، لأن کل واحد من
الأمرین من علم الغیب ، فکما لم تعلموا أحدهما لا تعلمون الآخر عن ابن عباس .
ورابعها : ما قاله الأخفش ، والجبائی ، وعلی بن عیسى ، وهو : إن المراد إن
کنتم صادقین فیما تخبرون به من أسمائهم ، فأخبروا بها . وهذا کقول القائل لغیره
أخبر بما فی یدی إن کنت صادقا أی : إن کنت تعلم فأخبر به ، لأنه لا یمکنه أن
یصدق فی مثل ذلک ، إلا إذا أخبر عن علم منه . ولا یصح أن یکلف ذلک إلا مع
العلم به . ولا بد إذا استدعوا إلى الإخبار عما لا یعلمون من أن یشترط هذا الشرط .
وعلى هذا فیکون لفظه الأمر ، ومعناه التنبیه ، أو یکون أمرا مشروطا کما یقول العالم
للمتعلم : ما تقول فی کذا ؟ ویعلم أنه لا یحسن الجواب ، لینبهه علیه ، ویحثه على
طلبه ، والبحث عنه .
ولو قال له : أخبر بذلک إن کنت تعلم ، أو إن کنت صادقا ، لکان
حسنا . فإذا تنبه على أنه یمکنه الجواب ، أجابه حینئذ ، فیکون جوابه بهذا
التدریج أثبت فی قلبه ، وأوقع فی نفسه . ولا یجوز أن یکون ذلک تکلیفا ، لأنه لو
کان تکلیفا لم یکن تبیینا لهم أن آدم یعرف أسماء هذه الأشیاء بتعریف الله إیاه ،
وتخصیصه من ذلک بما لا یعرفونه هم . فلما أراد تعریفهم ما خص به آدم من ذلک ،
علمنا أنه لیس بتکلیف .


( 1 ) أنباط الماء : أی استخراجه .
( 2 ) هجس الشئ فی صدره : خطر بباله .


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب