|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٠٦
ترى الیوم ما أطیبه ) لمن یعلم ذلک . وحکى سیبویه أما ترى أی
برق ههنا . ومن الناس من قال : إن هذه الألف معناها التوبیخ ، ومن لم یجز
على الملائکة المعصیة منع من ذلک .
( إنی أعلم غیب السماوات والأرض ) أی : أعلم ما غاب فیهما عنکم ، فلم
تشاهدوه کما أعلم ما حضرکم فشاهدتموه ( وأعلم ما تبدون وما کنتم تکتمون ) قیل
فیه أقوال : أحدها : إنه أراد أعلم سرکم وعلانیتکم ، وذکر ذلک تنبیها لهم على ما
یحیلهم علیه من الاستدلال ، لأن الأصول الأول التی یستدل بها ، إنما تذکر على وجه
التنبیه ، لیستخرج بها غیرها ، فیستدل بعلمه الغیب على أنه خلق عباده على ما
خلقهم علیه ، للاستصلاح فی التکلیف ، وما توجبه الحکمة . وثانیها : إنه أراد ( أعلم
ما تبدون ) من قولکم ( أتجعل فیها من یفسد فیها ) ، ( وما کنتم تکتمون ) من
إضمار إبلیس المعصیة والمخالفة . قال علی بن عیسى : وهذا لیس بالوجه لأن
الخطاب للملائکة ، ولیس إبلیس منهم ، ولأنه عام ، فلا یخص إلا بدلیل ، وجوابه :
إن إبلیس لما دخل معهم فی الأمر بالسجود ، جاز أن یذکر فی جملتهم . وقد رویت
روایات تؤید هذا القول ، واختاره الطبری . وثالثها : إن الله تعالى لما خلق آدم ،
مرت به الملائکة قبل أن ینفخ فیه الروح ، ولم تکن رأت مثله ، فقالوا : لن یخلق الله
خلقا إلا کنا أکرم منه وأفضل عنده ، فهذا ما أخفوه وکتموه . وأما ما أبدوه فقولهم
( أتجعل فیها من یفسد فیها ) روی ذلک عن الحسن ، والأول أقوى ، لأنه أعم .
ومما یسأل فی هذه الآیة أن یقال : ما وجه ذکره تعالى لهم الأسرار من علم
الغیب ؟ والجواب : إنه على معنى الجواب فیما سألوا عنه من خلق من یفسد ،
ویسفک الدماء على وجه التعریض ، دون التصریح ، لأنه لو صرح بذلک لقال :
خلقت من یفسد ویسفک الدماء لما أعلم فی ذلک من المصلحة لعبادی ، فیما کلفتهم
إیاه ، فدل سبحانه الإحالة فی الجواب على العلم بباطن الأمور وظاهرها ، أنه خلقهم
لأجل علمه بالمصلحة فی ذلک ، ودلهم بذلک على أن علیهم الرضا بأمر الله ،
والتسلیم لقضاء الله ، لأنه یعلم من الغیب ما لا یعلمونه ، ویعلم من مصالحهم فی
دینهم ودنیاهم ما لا یطلعون علیه .
فإن قیل : فأی شئ فی تعلیم الله تعالى آدم الأسماء کلها مما یدل على علمه
بالغیب ؟ فالجواب : قیل إنه تعالى علمه الأسماء کلها بما فیها من المعانی التی تدل
علیها على جهة فتق لسانه بذلک ، وإلهامه إیاها ، فهی معجزة أقامها الله تعالى
للملائکة تدل على نبوته ، وجلالة قدره ، وارتفاع شأنه ، بما اختصه الله به من العلم
الذی لا یوصل إلیه إلا بتعلیم الله ، عز وجل ، ودلهم على ذلک بأن قررهم أولا فأقروا
بأن لا علم لهم به ، ثم أظهر لهم أن آدم یعلمه بتعلیم الله إیاه ، فبان بذلک الإعجاز
بالاطلاع على ما لا سبیل إلى علمه إلا من علام الغیوب . وفیه ( 1 ) من المعجزة أنه
( 1 ) [ فیه ] .
|