تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۱۱٤   

آدم وحده ، استوحش ، إذ لیس معه من یسکن إلیه ، فخلقت حواء
لیسکن إلیها . وروی أن الله تعالى ألقى على آدم النوم ، وأخذ منه ضلعا ، فخلق منه
حواء ، فاستیقظ آدم فإذا عند رأسه امرأة ، فسألها : من أنت ؟ قالت : امرأة . قال :
لم خلقت ؟ قالت : لتسکن إلی . فقالت الملائکة : ما اسمها یا آدم ؟ قال : حواء .
قالوا : ولم سمیت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من حی . فعندها قال الله تعالى ( اسکن
أنت وزوجک الجنة ) .
وقیل : إنها خلقت قبل أن یسکن آدم الجنة ، ثم أدخلا معا الجنة . وفی کتاب
النبوة أن الله تعالى خلق آدم من الطین ، وخلق حواء من آدم ، فهمة الرجال الماء
والطین ، وهمة النساء الرجال . قال أهل التحقیق : لیس یمتنع أن یخلق الله حواء من
جملة جسد آدم ، بعد أن لا یکون مما لا یتم الحی حیا إلا معه ، لأن ما هذه صفته لا
یجوز أن ینقل إلى غیره ، أو یخلق منه حی آخر ، من حیث یؤدی إلى أن لا یمکن
إیصال الثواب إلى مستحقه ، لأن المستحق لذلک هو الجملة بأجمعها ، وإنما سمیت
حواء لأنها خلقت من حی على ما ذکرناه قبل وقیل : لأنها أم کل حی .
واختلف فی الجنة التی أسکن فیها آدم : فقال أبو هاشم : هی جنة من جنان
السماء غیر جنة الخلد ، لأن جنة الخلد أکلها دائم ، ولا تکلیف فیها . وقال أبو
مسلم : هی جنة من جنان الدنیا فی الأرض . وقال إن قوله ( اهبطوا منها ) لا یقتضی
کونها فی السماء ، لأنه مثل قوله ( اهبطوا مصرا ) . واستدل بعضهم على أنها لم تکن
جنة الخلد بقوله تعالى حکایة عن إبلیس ( هل أدلک على شجرة الخلد ) فلو کانت
جنة الخلد ، لکان آدم عالما بذلک ، ولم یحتج إلى دلالة . وقال أکثر المفسرین ،
والحسن البصری ، وعمرو بن عبید ، وواصل بن عطاء ، وکثیر من المعتزلة کالجبائی
والرمانی وابن الإخشید : إنها کانت جنة الخلد ، لأن الألف واللام للتعریف ، وصارا
کالعلم علیها . قالوا : ویجوز أن تکون وسوسة إبلیس من خارج الجنة من حیث
یسمعان کلامه . قالوا : وقول من یزعم أن جنة الخلد من یدخلها لا یخرج منها غیر
صحیح ، لأن ذلک إنما یکون إذا استقر أهل الجنة فیها للثواب . فأما قبل ذلک ، فإنها
تفنى لقوله تعالى ( کل شئ هالک إلا وجهه ) .
وقوله ( وکلا منها رغدا ) أی : کلا من الجنة کثیرا واسعا لا عناء فیه ( حیث
شئتما ) من بقاع الجنة . وقیل : منها أی : من ثمارها إلا ما استثناه ( ولا تقربا هذه
الشجرة ) أی : لا تأکلا منها ، وهو المروی عن الباقر علیه السلام ، فمعناه : لا تقرباها
بالأکل . ویدل علیه أن المخالفة وقعت بالأکل بلا خلاف لا بالدنو منها ، ولذلک
قال : ( فأکلا منها فبدت لهما سوآتهما ) . واختلف فی هذا النهی فقیل : إنه نهی
التحریم . وقیل : إنه نهی التنزیه دون التحریم کمن یقول لغیره لا تجلس على
الطرق ، وهو قریب من مذهبنا ، فإن عندنا أن آدم کان مندوبا إلى ترک التناول من
الشجرة ، وکان بالتناول منها تارکا نفلا وفضلا ولم یکن فاعلا لقبیح ، فإن
الأنبیاء علیهم السلام لا یجوز علیهم القبائح ، لا صغیرها ولا کبیرها . وقالت المعتزلة : کان
ذلک صغیرة من آدم علیه السلام على اختلاف بینهم فی أنه وقع منه على سبیل العمد أو
السهو ، أو التأویل . وإنما قلنا : إنه لا یجوز مواقعة الکبائر على الأنبیاء علیهم السلام ، من
حیث إن القبیح یستحق فاعله به الذم والعقاب ، لأن المعاصی عندنا کلها کبائر ،
وإنما تسمى صغیرة بإضافتها إلى ما هو أکبر عقابا منها ، لأن الإحباط


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب