|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۱٦
واحد ، ویدل على الوجه الثانی قوله :
( فأخرجهما مما کانا فیه ) فکما أن خروج الانسان عن الموضع الذی هو فیه
انتقال منه إلى غیره ، کذلک عثاره وزلله .
اللغة : الزلة ، والخطیئة ، والمعصیة ، والسیئة ، بمعنى واحد . وضد
الخطیئة الإصابة ، یقال : زلت قدمه زلا ، وزل فی مقالته زلة . والمزلة :
المکان الدحض . والمزلة : الزلل فی الدحض . وأزللت إلى فلان نعمة أی :
أسدیت . وفی الحدیث : " من أزلت إلیه نعمة فلیشکرها " . قال کثیر :
وإنی ، وإن صدت ، لمثن ، وصادق علیها بما کانت إلینا أزلت
والأصل فی ذلک الزوال . والزلة : زوال عن الحق . وأزله الشیطان : إذا أزاله
عن الحق . والهبوط ، والنزول ، والوقوع ، نظائر : وهو التحرک من علو إلى سفل .
ویقال : هبطته وأهبطته . والهبوط : کالحدور وهو الموضع الذی یهبطک من أعلى إلى
أسفل ، وقد یستعمل الهبوط بمعنى الحلول فی المکان ، والنزول به . قال الله
تعالى : ( اهبطوا مصرا ) . ویقول القائل : هبطنا بلد کذا . یرید : حللنا . قال
زهیر :
ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت * أیدی الرکاب بهم من راکس فلقا
والعدو : نقیض الولی . والعداوة المصدر ، وأصله من المجاوزة . والقرار :
الثبات والبقاء . وضد القرار الانزعاج ، وضد الثبات الزوال ، وضد البقاء الفناء .
والاستقرار : الکون أکثر من وقت واحد على حال . والمستقر : یحتمل أن یکون
بمعنى الاستقرار ، ویحتمل أن یکون بمعنى المکان الذی یستقر فیه . والمتاع والتمتع
والمتعة والتلذذ متقاربة المعنى ، وکل شئ تمتعت به فهو متاع . والحین ، والمدة ،
والزمان ، متقارب . والحین فی غیر هذا الموضع : ستة أشهر ، یدل علیه قوله تعالى
( تؤتی أکلها کل حین بإذن ربها ) والحین یصلح للأوقات کلها ، إلا أنه فی الاستعمال
فی الکثیر منها أکثر .
المعنى : ثم بین سبحانه حال آدم علیه السلام قال : ( فأزلهما الشیطان ) أی :
حملهما على الزلة . نسب الإزلال إلى الشیطان ، لما وقع بدعائه ووسوسته وإغوائه
( عنها ) أی : عن الجنة ، وما کانا فیه من عظیم الرتبة والمنزلة . والشیطان المراد به
إبلیس ، ( فأخرجهما مما کانا فیه ) من النعمة والدعة . ویحتمل أن یکون أراد
اخراجهما من الجنة حتى أهبطا . ویحتمل أن یکون أراد من الطاعة إلى المعصیة .
وأضاف الإخراج إلیه لأنه کان السبب فیه کما یقال صرفنی فلان عن هذا الأمر .
ولم یکن اخراجهما من الجنة وإهباطهما إلى الأرض على وجه العقوبة ، لأن
الدلیل قد دل على أن الأنبیاء علیهم السلام ، لا تجوز علیهم القبائح على حال ، ومن أجاز
العقاب على الأنبیاء ، فقد أساء علیهم الثناء . وأعظم الفریة على الله ، سبحانه
وتعالى ، وإذا صح ما قلناه ، فإنما أخرج الله آدم من الجنة لأن المصلحة قد تغیرت
بتناوله من الشجرة ، فاقتضت الحکمة والتدبیر الإلهی إهباطه إلى الأرض ، وابتلاءه
بالتکلیف والمشقة ، وسلبه ما ألبسه إیاه من ثیاب الجنة ، لأن إنعامه علیه بذلک کان
على وجه التفضل والامتنان ، فله أن یمنع ذلک تشدیدا للبلوى والامتحان ، کما له أن
یفقر بعد الإغناء ، ویمیت بعد الإحیاء ، ویسقم بعد الصحة ، ویعقب المحنة بعد
المحنة .
|