|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۱۷
واختلف فی کیفیة وصول إبلیس إلى آدم وحواء حتى وسوس إلیهما وإبلیس کان
قد أخرج من الجنة حین أبى السجود ، وهما فی الجنة ، فقیل : إن آدم کان یخرج
إلى باب الجنة ، وإبلیس لم یکن ممنوعا من الدنو منه ، فکان یکلمه ، وکان هذا قبل
أن أهبط إلى الأرض ، وبعد أن اخرج من الجنة ، عن أبی علی الجبائی . وقیل : إنه
کلمهما من الأرض بکلام عرفاه وفهماه منه . وقیل : إنه دخل فی فقم الحیة ،
وخاطبهما من فقمها . والفقم : جانب الشدق ( 1 ) . وقیل : إنه راسلهما بالخطاب .
وظاهر القرآن یدل على أنه شافههما بالخطاب .
وقوله : " وقلنا اهبطوا " خاطب بخطاب الجمع وفیه وجوه أحدها : إنه خاطب
آدم وحواء وإبلیس ، وهو اختیار الزجاج ، وقول جماعة من المفسرین ، وهذا غیر
منکر ، وإن إبلیس قد أخرج قبل ذلک ، بدلالة قوله : ( أخرج منها فإنک رجیم )
فجمع الخبر للنبی صلى الله علیه وآله وسلم لأنهم قد اجتمعوا فی الهبوط ، وإن کانت أوقاتهم متفرقة
فیه ، کما یقال أخرج جمیع من فی الحبس ، وإن أخرجوا متفرقین . والثانی : إنه أراد
آدم وحواء والحیة ، وفی هذا الوجه بعد ، لأن خطاب من لا یفهم الخطاب لا
یحسن ، ولأنه لم یتقدم للحیة ذکر ، والکنایة عن غیر مذکور لا تحسن إلا بحیث لا
یقع لبس مثل قوله : ( حتى توارت بالحجاب ) ، وقوله : ( ما ترک على ظهرها من
دابة ) وقولی حاتم :
أماوی ما یغنی الثراء عن الفتى ، * إذا حشرجت ( 2 ) یوما ، وضاق بها الصدر
والثالث : إنه أراد آدم وحواء وذریتهما ، لأن الوالدین یدلان على الذریة ،
ویتعلق بهما . والرابع : أن یکون الخطاب یختص بآدم وحواء علیهما السلام ، وخاطب
الاثنین على الجمع على عادة العرب ، وذلک لأن الاثنین أول الجمع . قال الله تعالى
( إذ نفشت فیه غنم القوم وکنا لحکمهم شاهدین ) : أراد حکم داود وسلیمان . وقد
تأول قوله تعالى ( فإن کان له أخوة ) على معنى فإن کان له اخوان والخامس : آدم
وحواء والوسوسة ، عن الحسن ، وهذا ضعیف وقوله ( بعضکم لبعض عدو ) یعنی آدم
وذریته ، وإبلیس وذریته ، ولم یکن من آدم إلیه ما یوجب عداوته إیاه ، ولکن حسده
الملعون ، وخالفه ، فنشأت بینهما العداوة . ثم إن عداوة آدم له إیمان ، وعداوة
إبلیس له کفر . وقال الحسن : یرید بنی آدم ، وبنی إبلیس ، ولیس ذلک بأمر ، بل
هو تحذیر ، یعنی إن الله تعالى لا یأمر بالعداوة ، فالأمر مختص بالهبوط والمعاداة
یجری مجرى الحال ، لأن الظاهر یقتضی أنه أمرهما بالهبوط فی حال عداوة بعضهم
بعضا .
فأما على الوجه الذی یتضمن أن الخطاب یختص بآدم وحواء ، فالمراد به : إن
ذریتهما یعادی بعضهم بعضا . وعلق الخطاب بهما للاختصاص بین الذریة ، وبین
أصلها . وقوله : " ولکم فی الأرض مستقر " أی : مقر ومقام وثبوت ، بأن جعل
الأرض قرارا لکم ( ومتاع ) أی : استمتاع ( إلى حین ) إلى وقت
( 1 ) الشدق بفتح الشین وکسرها : زاویة الفم من باطن الخدین .
( 2 ) ماوی : اسم زوجة حاتم على ما قیل . والحشرجة : تردد صوت النفس والغرغرة عند الموت .
|