|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۲
فقال ( أفلا یتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها ) وذکر أن القرآن منزل بلسان العرب فقال : ( إنا جعلناه
قرآنا عربیا ) . وقال النبی صلى الله علیه وآله وسلم : إذا جاءکم عنی حدیث فاعرضوه على کتاب الله ،
فما وافقه فاقبلوه ، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط . فبین أن الکتاب حجة
ومعروض علیه ، وکیف یمکن العرض علیه وهو غیر مفهوم المعنى ؟ فهذا وأمثاله یدل
على أن الخبر متروک الظاهر ، فیکون معناه إن صح : ان من حمل القرآن على رأیه ،
ولم یعمل بشواهد ألفاظه ، فأصاب الحق فقد أخطأ الدلیل . وقد روی عن
النبی صلى الله علیه وآله وسلم أنه قال : القرآن ذلول ذو وجوه ، فاحملوه على أحسن الوجوه . وروی
عن عبد الله بن عباس أنه قسم وجوه التفسیر على أربعة أقسام : تفسیر لا یعذر أحد
بجهالته . وتفسیر تعرفه العرب بکلامها . وتفسیر یعلمه العلماء . وتفسیر لا یعرفه إلا
الله عز وجل .
فأما الذی لا یعذر أحد بجهالته : فهو ما یلزم الکافة من الشرائع التی فی
القرآن ، وجمل دلائل التوحید . وأما الذی تعرفه العرب بلسانها : فهو حقائق اللغة ،
وموضوع کلامهم . وأما الذی یعلمه العلماء : فهو تأویل المتشابه ، وفروع الأحکام .
وأما الذی لا یعلمه إلا الله : فهو ما یجری مجرى الغیوب ، وقیام الساعة . وأقول إن
الإعراب أجل علوم القرآن ، فإن إلیه یفتقر کل بیان ، وهو الذی یفتح من الألفاظ
الأغلاق ، ویستخرج من فحواها الأعلاق ، إذ الأغراض کامنة فیها ، فیکون هو المثیر
لها ، والباحث عنها ، والمشیر إلیها ، وهو معیار الکلام الذی لا یبین نقصانه ورجحانه
حتى یعرض علیه ، ومقیاسه الذی لا یمیز بین سقیمه ومستقیمه حتى یرجع إلیه .
وقد روی عن النبی صلى الله علیه وآله وسلم أنه قال : أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه . وإذا کان ظاهر
القرآن طبقا لمعناه ، فکل من عرف العربیة والإعراب عرف فحواه ، ویعلم مراد الله به
قطعا ، هذا إذا کان اللفظ غیر مجمل یحتاج إلى بیان ، ولا محتمل لمعنیین ، أو
معان ، وذلک مثل قوله : ( ولا تقتلوا النفس التی حرم الله إلا بالحق ) ، وقوله :
( وإلهکم إله واحد ) ، وقوله : ( ولا یظلم ربک أحدا ) وأشباه ذلک .
وأما ما کان مجملا لا ینبئ ظاهره عن المراد به مفصلا ، مثل قوله سبحانه
( أقیموا الصلاة وأتوا الزکاة ) ، ( وآتوا حقه یوم حصاده ) فإنه یحتاج فیه إلى بیان
النبی صلى الله علیه وآله وسلم بوحی من الله سبحانه إلیه ، فیبین
تفصیل أعیان الصلوات ، وأعداد
الرکعات ، ومقادیر النصب فی الزکاة ، وأمثالها کثیرة . والشروع فی بیان ذلک من غیر
نص وتوقیف ممنوع منه ، ویمکن أن یکون الخبر الذی تقدم محمولا علیه . وأما ما
کان محتملا لأمور کثیرة ، أو لأمرین : فلا یجوز أن یکون الجمیع مرادا ، بل قد دل
الدلیل على أنه لا یجوز أن یکون المراد به إلا وجها واحدا ، فهو من باب المتشابه
لاشتباه المراد منه بما لیس بمراد ، فیحمل على الوجه الذی یوافق الدلیل ، وجاز أن
یقال إنه هو المراد ، وإن کان اللفظ مشترکا بین معنیین أو أکثر ، ویمکن أن یکون کل
واحد من ذلک مرادا فلا ینبغی أن یقدم علیه بجسارة ، فیقال : إن المراد به کذا قطعا
إلا بقول نبی ، أو إمام مقطوع على صدقه ، بل یجوز أن یکون کل واحد مرادا على
التفضیل ، ولا یقطع علیه ، ولا یقلد أحد من المفسرین فیه ، إلا أن یکون التأویل
مجمعا علیه ، فیجب اتباعه لانعقاد الاجماع علیه .
|