تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۱۲٠   

قوله " الرحیم " إنما ذکره لیدل به على أنه متفضل بقبول التوبة ، ومنعم به ،
وأن ذلک لیس على وجه الوجوب ، وإنما قال ( فتاب علیه ) ولم یقل علیهما ، لأنه
اختصر وحذف للإیجاز والتغلیب ، کقوله سبحانه وتعالى ( والله ورسوله أحق أن
یرضوه ) ومعناه أن یرضوهما . وقوله ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إلیها ) وکقول
الشاعر :
رمانی بأمر کنت منه ووالدی * بریا ، ومن جول الطوی رمانی ( 1 )
وقال الآخر :
نحن بما عندنا ، وأنت بما * عندک راض ، والرأی مختلف
فکذلک معنى الآیة فتاب علیهما . وقال الحسن البصری : لم یخلق الله آدم إلا
للأرض ، ولو لم یعص لأخرجه إلى الأرض على غیر تلک الحال . وقال غیره : یجوز
أن یکون خلقه للأرض إن عصى ، ولغیرها إن لم یعص ، وهو الأقوى .

فصل مختصر : فی التوبة وشروطها والاختلاف فیها


إعلم أن من شروط التوبة الندم على ما مضى من القبیح ، والعزم على أن لا
یعود إلى مثله فی القبح ، فإن هذه التوبة أجمع المسلمون على سقوط العقاب
عندها ، واختلفوا فیما عداها . وکل معصیة لله تعالى فإنه یجب التوبة منها ، والطاعة
لا یصح التوبة منها . وعندنا یصح التوبة إذا کانت من ترک الندب ، ویکون ذلک على
وجه الرجوع إلى فعله ، وعلى هذا یحمل توبة الأنبیاء علیهم السلام ، فی جمیع ما نطق به
القرآن . وقبول التوبة وإسقاط العقاب عندها تفضل من الله تعالى ، غیر واجب علیه
عندنا ، وعند جمیع المعتزلة واجب ، وقد وعد الله تعالى بذلک وإن کان تفضلا ،
وعلمنا أنه لا یخلف المیعاد .
وأما التوبة من قبیح مع الإقامة على قبیح آخر یعلم أو یعتقد قبحه ، فعند أکثر
المتکلمین هی صحیحة ، وعند أبی هاشم وأصحابه لا یصح . واعتمد الأولون على
أن قالوا : کما یجوز أن یمتنع عن قبیح لقبحه مع أنه یفعل قبیحا آخر ، وإن علم
قبحه ، کذلک یجوز أن یندم من قبیح مع المقام على قبیح آخر یعلم قبحه .
واختلفوا فی التوبة عند ظهور أشراط الساعة ، هل تصح أم لا ؟ فقال الحسن :
یحجب عنها عند الآیات الست وروی عن النبی صلى الله علیه وآله وسلم أنه قال بادروا بالأعمال ستا
طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، والدخان ، ودابة الأرض ، وخویصة أحدکم -
یعنی الموت - ، وأمر العامة - یعنی القیامة - وقیل : لا شک أن التوبة عند بعض هذه
الآیات تحجب ، وعند بعضها یجوز أن لا تحجب ، والله أعلم .


( 1 ) الجول بضم الجیم : جدار البئر . الضوى کغنى : البئر المضویة أی : المبنیة بالحجر ونحوه .


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب