|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٣٤
متشاکلین
متفقین فی المعنى ، فاخر اللام إلى الخبر ، لیفصل بین اللام وبین إن ، بالاسم
نحو : إنها لکبیرة . فأما سائر أخوات إن فمتى ترکب مع المبتدأ وخبره ، خرج
المبتدأ من صورة المبتدأ ، ویصیر قسما آخر ، فلا یدخل اللام علیه . وإذا لم
یدخل علیه کان بالحری أن لا یدخل على خبره .
النزول : قال الجبائی : إنه خطاب للمسلمین دون أهل الکتاب . وقال
الرمانی ، وغیره : هو خطاب لأهل الکتاب ، ویتناول المؤمنین على ، وجه
التأدیب . والأولى أن یکون خطابا لجمیع المکلفین لفقد الدلالة على
التخصص ، ویؤید قول من قال : إنه خطاب لأهل الکتاب ، أن ما قبل الآیة وما
بعدها خطاب لهم .
المعنى : من قال إنه خطاب للیهود قال : إن حب الریاسة کان یمنع علماء
الیهود عن اتباع النبی صلى الله علیه وآله وسلم ، لأنهم خافوا زوال الریاسة ، إذا اتبعوه ، فأمرهم الله
تعالى فقال : ( واستعینوا ) على الوفاء بعهدی الذی عاهدتکم فی کتابکم علیه ، من
طاعتی ، واتباع أمری ، وترک ما نهیتکم عنه ، والتسلیم لأمری ، واتباع رسولی
محمد صلى الله علیه وآله وسلم بالصبر على ما أنتم فیه من ضیق المعاش الذی تأخذون الأموال من
عوامکم بسببه . وروی عن أئمتنا علیهم السلام ، أن المراد بالصبر : الصوم ، فیکون فائدة
الاستعانة به أنه یذهب بالشره وهوى النفس کما قال صلى الله علیه وآله وسلم : " الصوم وجاء " ( 1 ) وفائدة
الاستعانة بالصلاة أنه یتلى فیها ما یرغب فیما عند الله تعالى ، ویزهد فی الدنیا ،
وحب الریاسة ، کما قال سبحانه ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنکر ) ، ولأنها
تتضمن التواضع لله تعالى ، فیدفع حب الریاسة . وکان النبی صلى الله علیه وآله وسلم إذا حزنه أمر
استعان بالصلاة والصوم .
ومن قال : إنه خطاب للمسلمین ، قال : المراد به استعینوا على تنجز ما وعدته
لمن اتبع النبی صلى الله علیه وآله وسلم ، أو على مشقة التکلیف بالصبر أی : بحبس النفس على
الطاعات ، وحبسها عن المعاصی والشهوات ، وبالصلاة لما فیها من تلاوة القرآن ،
والتدبر لمعانیه ، والاتعاظ بمواعظه ، والائتمار بأوامره ، والانزجار عن نواهیه . ووجه
آخر أنه لیس فی أفعال القلوب أعظم من الصبر ، ولا فی أفعال الجوارح أعظم من
الصلاة ، فأمر بالاستعانة بهما .
وروی عن الصادق علیه السلام ، أنه قال : " ما یمنع أحدکم إذا دخل علیه غم من
غموم الدنیا ، أن یتوضأ ، ثم یدخل المسجد ، فیرکع رکعتین ، یدعو الله فیها ، أما
سمعت الله تعالى یقول : ( واستعینوا بالصبر والصلاة ) . وقوله تعالى : ( وإنها
لکبیرة ) قیل : فی الضمیر فی " وإنها " وجوه أحدها : إن ها عائد إلى الصلاة ، لأنها
الأغلب والأفضل . وهو قول أکثر المفسرین . وعلى هذا ففی عود الضمیر إلى واحد ،
وقد تقدم ذکر اثنین قولان : أحدهما : إن المراد به الصلاة دون غیرها ، وخصها
بالذکر لقربها منه ، ولأنها الأهم والأفضل ، ولتأکید حالها وتفخیم شأنها وعموم
فرضها . والآخر : إن المراد الاثنان ، وإن کان اللفظ واحدا ، ویشهد لذلک قوله
تعالى :
_______________________________
( 1 ) قال الجزری الوجاء : أن ترض أشیاء الفحل رضا شدیدا . یذهب شهوة الجماع ، ویتنزل فی
قطعه منزلة الخصی ، أراد إن الصوم یقطع النکاح کما یقطع الوجاء .
|