|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٤٤
بالفکر به نحو المفکر فیه ، والنطر بالرحمة : هو الإقبال بالرحمة . وحقیقة النظر : هو
تقلیب الحدقة الصحیحة نحو المرئی طلبا لرؤیته .
المعنى : ثم ذکر سبحانه نعمة أخرى فقال : واذکروا ( إذ فرقنا بکم
البحر ) أی : فرقنا بین الماءین حتى مررتم فیه ، فکنتم فرقا بینهما ، تمرون فی
طریق یبس . وقیل معناه : فرقنا البحر بدخولکم إیاه ، فوقع بین کل فریقین من
البحر طائفة منکم ، یسلکون طریقا یابسا ، فوقع الفرق بینکم . وقیل : فرقنا
بکم أی : بسببکم البحر ، لتمروا فیه . ( فأنجیناکم ) یعنی من البحر والغرق .
وقوله : ( وأغرقنا آل فرعون ) ولم یذکر غرق فرعون ، لأنه قد ذکره فی مواضع
کقوله : ( فأغرقناه ومن معه ) فاختصر لدلالة الکلام علیه ، لأن الغرض مبنی
على إهلاک فرعون وقومه ، ونظیره قول القائل : ( دخل جیش الأمیر البادیة )
ویکون الظاهر أن الأمیر معهم . ویجوز أن یرید بآل فرعون نفسه ، کقوله :
( مما ترک آل موسى وآل هارون ) ، یعنی موسى وهارون .
وقوله : ( وأنتم تنظرون ) معناه : وأنتم تشاهدون أنهم یغرقون . وهذا أبلغ فی
الشماتة ، وإظهار المعجزة . وقیل معناه : وأنتم بمنظر ومشهد منهم ، حتى لو نظرتم
إلیهم لأمکنکم ذلک ، لأنهم کانوا فی شغل من أن یروهم کما یقال : دور بنی فلان
تنظر إلى دور آل فلان أی : هی بإزائها ، وبحیث لو کان مکانها ما ینظر ، لأمکنه أن
ینظر إلیه ، وهو قول الزجاج ، وقریب مما قاله الفراء . والأول أصح لأنهم لم یکن
لهم شغل شاغل عن الرؤیة ، فإنهم کانوا قد جاوزوا البحر ، وتظاهرت أقوال
المفسرین على أن أصحاب موسى علیه السلام رأوا انفراق البحر ، والتطام أمواجه بآل
فرعون ، حتى غرقوا ، فلا وجه للعدول عن الظاهر .
القصة : وجملة قصة فرعون مع بنی إسرائیل فی البحر ما ذکره ابن
عباس أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن یسری ببنی إسرائیل من مصر ،
فسرى موسى ببنی إسرائیل لیلا ، فاتبعهم فرعون فی ألف ألف حصان ، سوى
الإناث . وکان موسى فی ستمائة ألف وعشرین ألفا . فلما عاینهم فرعون قال :
إن هؤلاء لشرذمة قلیلون ، وإنهم لنا لغائظون ، وإنا لجمیع حاذرون . فسرى
موسى ببنی إسرائیل حتى هجموا على البحر ، فالتفتوا فإذا هم برهج ( 1 ) دواب
فرعون فقالوا : یا موسى أوذینا من قبل أن تأتینا ومن بعد ما جئتنا ، هذا البحر
أمامنا ، وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه ! فقال موسى علیه السلام : عسى ربکم أن
یهلک عدوکم ، ویستخلفکم فی الأرض ، فینظر کیف تعملون . فقال له یوشع بن
نون : بم أمرت ؟ قال : أمرت أن أضرب بعصای البحر . قال : اضرب . وکان الله
تعالى أوحى إلى البحر أن أطع موسى إذا ضربک . قال : فبات البحر له أفکل أی :
رعدة لا یدری فی أی جوانبه یضربه ، فضرب بعصاه البحر ، فانفلق وظهر اثنا عشر
طریقا . فکان لکل سبط منهم طریق ، یأخذون فیه .
فقالوا : إنا لا نسلک طریقا ندیا . فأرسل الله ریح الصبا ، حتى جففت
الطریق ، کما قال : ( فاضرب لهم طریقا فی البحر یبسا ) فجروا فیه . فلما أخذوا فی
الطریق ، قال بعضهم لبعض : ما لنا لا نرى أصحابنا ؟ فقالوا لموسى : أین
أصحابنا ؟
_______________________________
( 1 ) الرهج : ما أثیر من الغبار .
|