|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۵٣
یقتلونهم . فلما قتلوا سبعین ألفا تاب الله على الباقین ،
وجعل قتل الماضین شهادة لهم . وقیل : إن السبعین الذین کانوا مع موسى فی
الطور ، هم الذین قتلوا ممن عبد العجل سبعین ألفا . وقیل : إنهم قاموا صفین فجعل
یطعن بعضهم بعضا حتى قتلوا سبعین ألفا . وقیل : غشیتهم ظلمة شدیدة ، فجعل
بعضهم یقتل بعضا ، ثم انجلت الظلمة فأجلوا عن سبعین ألف قتیل .
وروی أن موسى وهارون وقفا یدعوان الله ویتضرعان إلیه ، وهم یقتل بعضهم
بعضا حتى نزل الوحی برفع القتل ، وقبلت توبة من بقی . وذکر ابن جریج أن
السبب فی أمرهم بقتل أنفسهم أن الله تعالى علم أن ناسا منهم ممن لم یعبد العجل ،
لم ینکروا علیهم ذلک ، مخافة القتل ، مع علمهم بأن العجل باطل ، فلذلک ابتلاهم
الله بأن یقتل بعضهم بعضا . وإنما امتحنهم الله تعالى بهذه المحنة العظیمة لکفرهم
بعد الدلالات والآیات العظام . وقال الرمانی : لا بد أن یکون فی الأمر بالقتل لطف
لهم ، ولغیرهم ، کما یکون فی استسلام القاتل لطف له ولغیره .
فإن قیل : کیف یکون فی قتلهم نفوسهم لطف لهم ، ولا تکلیف علیهم بعد
القتل ، واللطف لا یکون لطفا فیما مضى ، ولا فیما یقارنه ؟ فالجواب : إن القوم إذا
کلفوا أن یقتل بعضهم بعضا ، فکل واحد منهم یقصد قتل غیره ، ویجوز أن یبقى
بعده ( 1 ) فیکون القتل لطفا له فیما بعد ، ولو کان بمقدار زمان یفعل فیه واجبا ، أو
یمتنع عن قبیح . وهذا ( 2 ) کما تقول فی عباداتنا بقتال المشرکین ، وإن الله تعبدنا بأن
نقاتل حتى نقتل أو نقتل ، ومدحنا على ذلک . وکذلک روى أهل السیر أن الذین
عبدوا العجل تعبدوا بأن یصبروا على القتل ، حتى یقتل بعضهم بعضا ، فکان القتل
شهادة لمن قتل ، وتوبة لمن بقی . وإنما تکون شبهة لو أمروا بأن یقتلوا نفوسهم
بأیدیهم ، ولو صح ذلک لم یمتنع أن یکونوا أمروا بأن یفعلوا بنفوسهم الجراح التی
تفضی إلى الموت ، وإن لم یزل معها العقل فینافی التکلیف .
وأما على القول الآخر إنهم أمروا بالاستسلام للقتل والصبر علیه ، فلا مسألة ،
لأنهم ما أمروا بقتل نفوسهم ، فعلى هذا یکون قتلهم حسنا ، لأنه لو کان قبیحا لما
أمروا بالاستسلام له ، ولذلک نقول : لا یجوز أن یتعبد نبی ، ولا إمام ، بأن یستسلم
للقتل مع قدرته على الدفع عن نفسه ، فلا یدفعه ، لأن فی ذلک استسلاما للقبیح مع
القدرة على دفعه ، وذلک لا یجوز ، وإنما کان یقع قتل الأنبیاء والأئمة علیهم السلام ، على
وجه الظلم ، وارتفاع التمکن من المنع ، غیر أنه لا یمتنع من أن یتعبد بالصبر على
الدفاع ، وتحمل المشقة فی ذلک ، وان قتله غیره ظلما . والقتل ، وإن کان قبیحا
بحکم العقل ، فهو مما یجوز تغیره بأن یصیر حسنا ، لأنه جار مجرى سائر الآلام ،
ولیس یجری ذلک مجرى الجهل والکذب ، فی أنه لا یصیر حسنا قط .
ووجه الحسن فی القتل أنه لطف على ما قلناه ، وأیضا فکما یجوز من الله تعالى
أن یمیت الحی ، فکذلک یجوز أن یأمرنا بإماتته ، ویعوضه على الآلام التی تدخل
علیه ، ویکون فیه لطف على ما ذکرناه .
__________________________
( 1 ) [ واحد ] .
( 2 ) [ وهو ] .
|