|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٦۸
وأقول فی بیانه : إن ذلک إشارة إلى الغضب فی قوله ( وباؤوا بغضب ) فهو فی
موضع الرفع بالابتداء ، وأن مع صلته من الاسم والخبر فی موضع جر بالباء ، والجار
یتعلق بخبر المبتدأ ، وهی جملة من الفعل والفاعل ، حذفت لدلالة ما یتصل بها
علیها . وکذلک قوله ( ذلک بما عصوا ) فإن ما مع صلته فی تأویل المصدر .
المعنى : لما عدد سبحانه فیما قبل ، ما أسداه إلیهم من النعم
والإحسان ، ذکر ما قابلوا به تلک النعم من الکفران ، وسوء الاختیار لنفوسهم
بالعصیان ، فقال : ( وإذ قلتم ) أی : قال أسلافکم من بنی إسرائیل : ( یا
موسى لن نصبر على طعام واحد ) أی : لن نطیق حبس أنفسنا على طعام
واحد ، وإنما قال ( على طعام واحد ) وإن کان طعامهم المن والسلوى ، وهما
شیئان ، لأنه أراد به أن طعامهم فی کل یوم واحد أی : یأکلون فی الیوم ما کانوا
یأکلونه فی الأمس ، کما یقال إن طعام فلان فی کل یوم واحد ، وإن کان یأکل
ألوانا إذا حبس نفسه على ألوان من الطعام لا یعدوها إلى غیرها . وقیل : إنه
کان ینزل علیهم المن وحده ، فملوه فقالوا ذلک ، فأنزل علیهم السلوى من بعد
ذلک . وقوله : ( فادع لنا ربک ) أی : فاسأل ربک وادعه لأجلنا . ( یخرج لنا
مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ) أی : مما تنبته
الأرض من البقل ، والقثاء ، ومما سماه الله مع ذلک .
وکان سبب مسألتهم ذلک ما رواه قتادة قال : کان القوم فی البریة فد ظلل علیهم
الغمام ، وأنزل علیهم المن والسلوى ، فملوا ذلک ، وذکروا عیشا کان لهم بمصر ،
فسألوا موسى فقال الله : ( اهبطوا مصرا فإن لکم ما سألتم ) وتقدیره فدعا موسى
فاستجبنا له ، فقلنا لهم اهبطوا مصرا . وقیل : إنهم قالوا لا نصبر على الغنى بأن
یکون جمیعنا أغنیاء ، فلا یقدر بعضنا على الاستعانة ببعض ، فلذلک قالوا یخرج لنا
مما تنبت الأرض ، لیحتاجوا فیه إلى أعوان ، فیکون الفقیر عونا للغنی .
وقوله ( قال أتستبدلون الذی هو أدنى بالذی هو خیر ) معناه : قال لهم موسى .
وقیل : بل قال الله لهم : أتترکون ما اختار الله لکم ، وتؤثرون ما هو أدون وأردى على
ذلک . وقیل : إنه أراد أتستبدلون ما تتبذلون فی زراعته وصناعته بما أعطاه الله إیاکم
عفوا من المن والسلوى . وقیل : المراد تختارون الذی هو أقرب أی أقل قیمة ، على
الذی هو أکثر قیمة وألذ . واختلف فی سؤالهم هذا : هل کان معصیة ؟ فقیل : لم
یکن معصیة ، لأن الأول کان مباحا ، فسألوا مباحا آخر . وقیل : بل کان معصیة ،
لأنهم لم یرضوا بما اختاره الله لهم ، ولذلک ذمهم على ذلک ، وهو أوجه .
وقوله : ( اهبطوا مصرا ) اختلف فیه ، فقال الحسن والربیع : أراد مصر فرعون
الذی خرجوا منه . وقال أبو مسلم : أراد بیت المقدس ، وروی ذلک عن ابن زید .
وقال قتادة والسدی ومجاهد : أراد مصرا من الأمصار ، یعنی أن ما تسألونه إنما یکون
فی الأمصار ، ولا یکون فی المفاوز أی : إذا نزلتم مدینة ذات طول وعرض ( فإن
لکم ) فیها ( ما سألتم ) من نبات الأرض . وقد تم الکلام هاهنا .
|