تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٦۹   

ثم استأنف حکم الذین اعتدوا فی السبت ، ومن قتل الأنبیاء ، فقال :
( وضربت علیهم الذلة والمسکنة ) أی : ألزموا الذلة إلزاما لا یبرح عنهم ، کما
یضرب المسمار على الشئ فیلزمه . وقیل : المراد بالذلة الجزیة ، لقوله ( حتى
یعطوا الجزیة عن ید وهم صاغرون ) عن الحسن ، وقتادة . وقیل هو الکستیج ( 1 ) وزی
الیهود عن عطا . وقوله : ( والمسکنة ) یعنی زی الفقر . فترى المثری منهم یتباءس
مخافة أن یضاعف علیه الجزیة . وقال قوم : هذه الآیة تدل على فضل الغنى ، لأنه
ذمهم على الفقر ، ولیس ذلک بالوجه ، لأن المراد به فقر القلب ، لأنه قد یکون فی
الیهود میاسیر ، ولا یوجد یهودی غنی النفس . وقال النبی صلى الله علیه وآله وسلم : ( الغنى غنى
النفس ) وقال ابن زید : أبدل الله الیهود بالعز ذلا ، وبالنعمة بؤسا وبالرضا عنهم
غضبا ، جزاء لهم بما کفروا بآیاته ، وقتلوا أنبیاءه ورسله اعتداء وظلما . ( وباءوا
بغضب من الله ) أی : رجعوا منصرفین متحملین غضب الله ، قد وجب علیهم من الله
الغضب ، وحل بهم منه السخط . وقال قوم : الغضب هو ما حل بهم فی الدنیا من
البلاء والنقمة بدلا من الرخاء والنعمة . وقال آخرون : هو ما ینالهم فی الآخرة من
العقاب على معاصیهم .
ثم أشار إلى ما تقدم ذکره فقال : ( ذلک ) أی : ذلک الغضب ، وضرب الذلة
والمسکنة ، حل بهم لأجل ( أنهم کانوا یکفرون بآیات الله ) أی : یجحدون حجج
الله وبیناته . وقیل : أراد بآیات الله الإنجیل والقرآن ، ولذلک قال فباءوا بغضب على
غضب . الأول : لکفرهم بعیسى والإنجیل ، والثانی : لکفرهم بمحمد والقرآن .
وقیل : آیات الله صفة محمد صلى الله علیه وآله وسلم وقوله : ( ویقتلون النبیین بغیر الحق ) أی : بغیر
جرم کزکریا ویحیى وغیرهما . وقوله ( بغیر الحق ) لا یدل على أنه قد یصح أن یقتل
النبیون بحق ، لأن هذا خرج مخرج الصفة لقتلهم ، وأنه لا یکون إلا ظلما بغیر حق
کقوله تعالى : ( ومن یدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ) ومعناه أن ذلک لا یمکن أن
یکون علیه برهان . وکقول الشاعر : ( على لاحب لا یهتدى بمناره ) ومعناه : لیس
هناک منار یهتدى به ، وفی أمثاله کثرة . وقوله : ( ذلک بما عصوا وکانوا یعتدون )
ذلک إشارة إلى ما تقدم أیضا بعصیانهم فی قتل الأنبیاء ، وعدوهم السبت . وقیل :
بنقضهم العهد واعتدائهم فی قتل الأنبیاء ، والمراد إنی فعلت بهم ما فعلت من ذلک
بعصیانهم أمری ، وتجاوزهم حدی إلى ما نهیتهم عنه .
سؤال : إن قیل : کیف یجوز التخلیة بین الکفار ، وقتل الأنبیاء ؟ فالجواب :
إنما جاز ذلک لتناول أنبیاء الله سبحانه من رفع المنازل والدرجات ، ما لا ینالونه بغیر
القتل ، ولیس ذلک بخذلان لهم ، کما أن التخلیة بین المؤمنین والأولیاء والمطیعین ،
وبین قاتلیهم ، لیست بخذلان لهم . وقال الحسن : إن الله تعالى لم یأمر نبیا بالقتال
فقتل فیه ، وإنما
_____________________________
( 1 ) الکستیج بالضم : خیط غلیظ یشده الذمی فوق ثیابه دون الزنار ، وهو معرب ( کستی ) .


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب