|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۸٤
بالذبح ، ولم یبین لهم أن الذبح لأی معنى . فقالوا : أی
اتصال لذبح البقرة بما ترافعنا فیه إلیک فهذا استهزاء بنا ؟ ( قال أعوذ بالله أن أکون من
الجاهلین ) أی : معاذ الله أن أکون من المستهزئین . وإنما قال ( من الجاهلین ) لیدل
على أن الاستهزاء لا یصدر إلا عن جاهل ، فإن من استهزأ بغیره ، لا یخلو إما أن
یستهزئ بخلقته ، أو بفعل من أفعاله . فأما الخلقة فلا معنى للاستهزاء بها . وأما
الفعل فإذا کان قبیحا ، فالواجب أن ینبه فاعله على قبحه ، لینزجر عنه . فأما أن
یستهزئ به فلا . فالاستهزاء على هذا یکون کبیرة لا یقع إلا عن جاهل به ، أو محتاج
إلیه .
فإذا قیل : لم أمروا بذبح البقرة دون غیرها ؟ فقد قیل فیه : لأنها من جنس ما
عبدوه من العجل ، لیهون عندهم ما کانوا یرونه من تعظیمه ، فیزول ما کان فی
نفوسهم من عبادته . وإنما أحیى الله القتیل بقتل حی ، لیکون أظهر لقدرته فی اختراع
الأشیاء من أضدادها . فلما علموا أن ذبح البقرة فرض من الله تعالى ، سألوا عنها
فبدأوا بسنها ف ( قالوا ادع لنا ربک ) أی : سل من أجلنا ربک ( یبین لنا ما هی ) ولم
یظهر فی السؤال أن المسؤول عنه سن البقرة ، وإنما ظهر ذلک فی الجواب ( قال )
موسى علیه السلام : ( إنه یقول ) أی : إن الله عز اسمه یقول ( إنها بقرة لا فارض ولا
بکر ) أی : لیست بکبیرة هرمة ولا صغیرة .
( عوان بین ذلک ) أی : هی وسط بین الصغیرة والکبیرة ، وهی أقوى ما
یکون ، وأحسن من البقر والدواب ، عن ابن عباس . وقیل : وسط ، ولدت بطنا أو
بطنین ، عن مجاهد . ( فافعلوا ما تؤمرون ) أی : اذبحوا ما أمرتم بذبحه . فلما بین
سبحانه سن البقرة ، سألوا عن لونها ( قالوا ادع لنا ربک یبین لنا ما لونها ) أی : سل
ربک یبین لنا ما لون البقرة التی أمرنا بذبحها . ( قال ) موسى ( إنه ) سبحانه وتعالى
( یقول إنها بقرة صفراء ) حتى قرنها وظلفها أصفران ، عن الحسن ، وسعید بن
جبیر . ( فاقع لونها ) أی : شدیدة صفرة لونها . وقیل : خالص الصفرة . وقیل :
حسن الصفرة .
وقوله : ( تسر الناظرین ) أی : تعجب الناظرین وتفرحهم بحسنها عن قتادة ،
وغیره . وروی عن الصادق علیه السلام أنه قال : من لبس نعلا صفراء ، لم یزل مسرورا
حتى یبلیها کما قال الله تعالى ( صفراء فاقع لونها تسر الناظرین ) . ولما بین سبحانه
سن البقرة ولونها ، سألوا عن صفتها ف ( قالوا ) یا موسى ( ادع لنا ربک یبین لنا ما
هی ) أی : من العوامل ، أم من السوائم ( إن البقر تشابه علینا ) أی : اشتبه علینا
صفة البقرة التی أمرنا الله بذبحها ( وإنا إن شاء الله لمهتدون ) إلى صفة البقرة بتعریف
الله إیانا ، وبما یشاؤه لنا من اللطف والزیادة فی البیان .
وروى ابن جریج ، وقتادة ، عن ابن عباس ، عن النبی صلى الله علیه وآله وسلم أنهم أمروا بأدنى
بقرة ، ولکنهم لما شددوا على أنفسهم ، شدد الله علیهم . وأیم الله ! لو لم یستثنوا ما
بینت لهم إلى آخر الأبد . ( قال ) : یعنی موسى علیه السلام ( إنه ) یعنی الله تعالى ( یقول
إنها بقرة ) أی : البقرة التی أمرتم بذبحها ( لا ذلول تثیر الأرض ) أی : لم یذللها
العمل بإثارة الأرض بأظلافها ( ولا تسقی الحرث ) أی : لا یستقى علیها الماء ،
فتستقی الزرع ( مسلمة ) أی بریئة من العیوب عن قتادة وعطاء .
|