|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۸۵
وقیل : مسلمة من
الشیة ، لیس لها لون یخالف لونها ، عن مجاهد . وقیل : سلیمة من آثار العمل ، لأن
ما کان من العوامل لا یخلو من آثار العمل فی قوائمه وبدنه . وقال الحسن : إنها
کانت وحشیة ( لا شیة فیها ) قال أهل اللغة : لا وضح فیها یخالف لون جلدها .
وقیل : لا لون فیها سوى لونها ، عن قتادة ، ومجاهد .
( قالوا الآن جئت بالحق ) أی : ظهر لنا الحق الآن ، وهی بقرة فلان . وهذا
یدل على أنهم جوزوا أنه قبل ذلک لم یجئ بالحق على التفصیل ، وإنما أتى به على
وجه الجملة . وقال قتادة : الآن بینت ( 1 ) الحق . وهذا یدل على أنه کان فیهم من
یشک فی أن موسى علیه السلام ما بین الحق ( فذبحوها ) یعنی ذبحوا البقرة على ما أمروا به
( وما کادوا یفعلون ) أی : قرب أن لا یفعلوا ذلک مخافة اشتهار فضیحة القاتل .
وقیل : کادوا لا یفعلون ذلک ، لغلاء ثمنها . فقد حکی عن ابن عباس أنهم اشتروها
بملء ء جلدها ذهبا من مال المقتول . وعن السدی : بوزنها عشر مرات ذهبا . قال
عکرمة : وما ثمنها إلا ثلاثة دنانیر .
ونذکر هاهنا فصلا موجزا ینجذب إلى الکلام فی أصول الفقه : اختلف العلماء
فی هذه الآیات : فمنهم من ذهب إلى أن التکلیف فیها متغایر ، وأنهم لما قیل لهم
اذبحوا بقرة لم یکن المراد منهم إلا ذبح أی بقرة شاؤوا من غیر تعیین بصفة . ولو أنهم
ذبحوا أی بقرة اتفقت لهم کانوا قد امتثلوا الأمر ، فلما لم یفعلوا کان المصلحة أن
یشدد علیهم التکلیف . ولما راجعوا المرة الثانیة ، تغیرت مصلحتهم إلى تکلیف
ثالث .
ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر : فمنهم من قال فی التکلیف الأخیر : إنه یجب
أن یکون مستوفیا لکل صفة تقدمت . فعلى هذا القول یکون التکلیف الثانی والثالث
ضم تکلیف إلى تکلیف ، زیادة فی التشدید علیهم ، لما فیه من المصلحة . ومنهم
من قال : إنه یجب أن یکون بالصفة الأخیرة فقط دون ما تقدم . وعلى هذا القول
یکون التکلیف الثانی نسخا للأول ، والتکلیف الثالث نسخا للثانی . وقد یجوز نسخ
الشئ قبل الفعل ، لأن المصلحة تجوز أن یتغیر بعد فوات وقته . وإنما لا یجوز نسخ
الشئ قبل وقت الفعل ، لأن ذلک یؤدی إلى البداء . وذهب آخرون إلى أن التکلیف
واحد ، وأن الأوصاف المتأخرة هی للبقرة المتقدمة ، وإنما تأخر البیان وهو مذهب
المرتضى ، قدس الله روحه . واستدل بهذه الآیة على جواز تأخیر البیان عن وقت
الخطاب إلى وقت الحاجة . قال : إنه تعالى لما کلفهم ذبح بقرة ، قالوا
لموسى علیه السلام : ( ادع لنا ربک یبین لنا ما هی ) فلا یخلو قولهم ( ما هی ) من أن
یکون کنایة عن البقرة المتقدم ذکرها ، أو عن التی أمروا بها ثانیا . والظاهر من قولهم
( ما هی ) یقتضی أن یکون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها ، لأنه لا علم لهم
بتکلیف ذبح بقرة أخرى ، فیستفهموا عنها . وإذا صح ذلک فلیس یخلو قوله ( إنها
بقرة لا فارض ولا بکر ) من أن یکون الهاء فیه کنایة عن البقرة
______________________
( 1 ) وفی النسخ التی عندنا " ثبت " بدل " بینت " .
|