|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۸۷
والوجه الآخر : إن الآیة قد تعلقت بما هو متأخر فی
الحقیقة وهو قوله : ( فقلنا اضربوه ببعضها ) الآیة . فکأنه قال : فذبحوها وما کادوا
یفعلون ، ولأنکم قتلتم نفسا فادارأتم فیها ، أمرناکم أن تضربوه ببعضها ، لینکشف
أمره . والمراد : واذکروا إذ قتلتم نفسا ، وهذا خطاب لمن کان على عهد
النبی صلى الله علیه وآله وسلم ، والمراد به أسلافهم على عادة العرب فی خطاب الأبناء والأحفاد
بخطاب الأسلاف والأجداد ، وخطاب العشیرة بما یکون من أحدها ، فقالت : فعلت
بنو تمیم کذا ، وإن کان الفاعل واحدا .
ویحتمل أن یکون خطابا لمن کان فی زمن موسى علیه السلام وتقدیره : وقلنا لهم وإذ
قتلتم نفسا . وقیل : إن اسم المقتول عامیل فادارأتم فیها الهاء من ( فیها ) یعود إلى
النفس ، أی : کل واحد دفع قتل النفس عن نفسه . وقیل : إنها تعود إلى القتلة أی :
اختلفتم فی القتلة ، لأن قوله ( قتلتم ) یدل على المصدر ، وعودها إلى النفس أولى
وأشبه بالظاهر ( والله مخرج ما کنتم تکتمون ) أی : مظهر ما کنتم تسرون من القتل .
وقیل : معناه إنه مخرج من غامض أخبارکم ، ومطلع من معایبکم ومعایب أسلافکم
على ما تکتمونه أنتم . وهو خطاب للیهود فی زمن النبی صلى الله علیه وآله وسلم .
( فقلنا اضربوه ببعضها ) أی : قلنا لهم اضربوا القتیل ببعض البقرة ، واختلفوا
فی البعض المضروب به القتیل ، فقیل : ضرب بفخذ البقرة فقام حیا ، وقال : قتلنی
فلان ، ثم عاد میتا ، عن مجاهد وقتادة وعکرمة . وقیل : ضرب بذنبها ، عن سعید بن
جبیر . وقیل : بلسانها ، عن الضحاک . وقیل : ضرب بعظم من عظامها ، عن أبی
العالیة . وقیل : بالبضعة التی بین الکتفین ، عن السدی . وقیل : ضرب ببعض
آرابها ( 1 ) ، عن أبی زید . وهذه الأقاویل کلها محتملة الطاهر . والمعلوم أن الله ،
سبحانه وتعالى ، أمر أن یضرب القتیل ببعض البقرة لیحیا القتیل إذا فعلوا ذلک ،
فیقول : فلان قتلنی ، لیزول الخلف والتدارؤ بین القوم . والصانع عز اسمه ، وإن کان
قادرا على إحیائه من دون ذلک ، فإنما أمرهم بذلک ، لأنهم سألوا موسى أن یبین لهم
حال القتیل ، وهم کانوا یعدون القربان من أعظم القربات ، وکانوا جعلوا له بیتا على
حدة لا یدخله إلا خیارهم ، فأمرهم الله بتقدیم هذه القربة تعلیما منه لکل من اعتاص
علیه أمر من الأمور أن یقدم نوعا من القرب ، قبل أن یسأل الله تعالى کشف ذلک
عنه ، لیکون أقرب إلى الإجابة . وإنما أمرهم بضرب القتیل ببعضها بعد أن جعل
اختیار وقت الإحیاء لهم ، لیعلموا أن الله سبحانه وتعالى قادر على إحیاء الأموات فی
کل وقت من الأوقات ، والتقدیر فی الآیة : فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه فحیی کما
قال سبحانه ( اضرب بعصاک البحر فانفلق ) تقدیره فضرب فانفلق .
وقوله : ( کذلک یحیی الله الموتى ) یحتمل أن یکون حکایة عن قول
موسى علیه السلام لقومه أی : اعلموا بما عاینتموه أن الله تعالى قادر على إحیاء الموتى
للجزاء ، ویحتمل أن یکون خطابا من الله تعالى لمشرکی قریش . والإشارة وقعت إلى
قیام المقتول عند ضربه ببعض أعضاء البقرة ، لأنه
__________________________
( 1 ) الآراب جمع الإرب : العضو .
|