|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۸۹
أنهم قدموا الخطاب على الغیبة فی باب الضمیر ، وهو موضع ترد فیه
الأشیاء إلى أصولها نحو تک فی نحو قوله " فلا تک ما أسأل ولا اغاما " فلما
قدموا المخاطب على الغائب فقالوا : أعطاکه ، ولم یقولوا أعطاهوک ، علم أنه
أقدم فی الرتبة . فإذا کان الأمر على هذا ، فالخطاب فی هذا النحو یعنی به
الغیب والمخاطبون ، فیغلب الخطاب على الغیبة . ویجوز فیه وجه آخر وهو :
أن یراد به : وقل لهم أیها النبی ما الله بغافل عما تعملون ، والله أعلم .
اللغة : القسوة : ذهاب اللین والرحمة من القلب ، یقال : قسا قلبه یقسو
قسوا وقسوة وقساوة . والقسوة : الصلابة فی کل شئ ، ونقیضه الرقة . والشدة
والقوة : فی الجسم . والشدة : صعوبة الأمر . والشد : العقد . والنهر :
المجرى الواسع من مجاری الماء . والجدول والسری دون ذلک ، یقال نهر
ونهر والفتح أفصح . قال سبحانه : ( فی جنات ونهر ) وجمعه نهر وأنهار .
والتفجر : التفعل من فجر الماء ، وذلک إذا أنزل خارجا من منبعه ، وکل سائل
شخص خارجا من موضعه ومکانه ، فقد انفجر ، ماء کان أو دما أو غیر ذلک .
قال عمر بن لجأ :
ولما أن قرنت إلى جریر * أبى ذو بطنه إلا انفجارا
أی : خروجا وسیلانا . وأصل یشقق : یتشقق ، أدغمت التاء فی الشین ، وهو
أن ینقطع من غیر أن یبین . والغفلة : السهو عن الشئ ، وهو ذهاب المعنى عن
النفس بعد حضوره ویقال : تغافلت على عمد أی : عملت عمل الساهی .
المعنى والاعراب : لما قدم سبحانه ذکر المعجزات القاهرة ، والأعلام
الظاهرة ، بین ما فعلوا بعدها من العصیان والطغیان ، فقال عز اسمه : ( ثم
قست قلوبکم ) أی : غلظت ویبست ، وعتت وقست ( من بعد ذلک ) أی : من
بعد آیات الله کلها التی أظهرها على ید موسى علیه السلام . وقیل : إنه أراد بنی أخی
المقتول حین أنکروا قتله بعد أن سمعوه منه عند إحیاء الله تعالى إیاه ، أنه قتله فلان ،
عن ابن عباس . فیکون ذلک إشارة إلى الإحیاء أی : من بعد إحیاء المیت لکم ببعض
من أعضاء البقرة ، بعد أن تدارأتم فیه ، فأخبرکم بقاتله ، والسبب الذی من أجله
قتله .
وکان یجب ممن شاهد هذه الآیة العجیبة ، والمعجزة الخارقة للعادة ، أن
یخضع ویلین قلبه . ویحتمل أن یکون ذلک إشارة أیضا إلى الآیات الأخرى التی
تقدمت ، کمسخ القردة والخنازیر ، ورفع الجبل فوقهم ، وانبجاس الماء من الحجر ،
وانفراق البحر ، وغیر ذلک . وإنما جاز أن یقول ذلک ، وإن کانوا جماعة ، ولم یقل
ذلکم لأن الجماعة فی معنى الجمع ، والفریق . فلفظ الخطاب مفرد فی معنى
الجمع ، ولو قال ذلکم لجاز . .
وقوله : ( فهی کالحجارة ) شبه قلوبهم بالحجارة فی الصلابة والیبس ، والغلظ
والشدة . وقد ورد الخبر عن النبی صلى الله علیه وآله وسلم ، أنه قال : ( لا تکثروا الکلام بغیر ذکر
الله ، فإن کثرة الکلام بغیر ذکر الله تقسی القلب وإن أبعد الناس من الله القاسی
القلب " . ( أو أشد قسوة ) أی : أو هی أشد قسوة . ویجوز أن یکون عطفا على
موضع الکاف ، وکأنه قال : فهی مثل الحجارة ، أو أشد قسوة
|