|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۹۵
( ووصى بها إبراهیم بنیه ویعقوب یا بنی إن الله اصطفى لکم الدین فلا
تموتن إلا وأنتم مسلمون ( 132 ) ) .
القراءة : قرأ أهل المدینة ، والشام : ( وأوصى ) بهمزة بین واوین
وتخفیف الصاد . وقرأ الباقون : ( ووصى ) مشددة الصاد .
الحجة : حجة من قرأ ( وصى ) قوله تعالى : ( فلا یستطیعون توصیة )
فتوصیة مصدر وصى ، مثل قطع تقطعة . ولا یکون منه تفعیل ، لأنک لو قلت
فی مصدر حییت تفعیل ، لکان یجتمع ثلاث یاءات ، فرفض ذلک . وحجة من
قرأ ( وأوصى بها إبراهیم ) قوله : ( یوصیکم الله ) ( ومن بعد وصیة توصون بها
أو دین ) .
اللغة : وصى وأوصى وأمر وعهد بمعنى . وقد قالوا : وصى البیت : إذا
اتصل بعضه ببعض . فالوصیة کأن الموصی بالوصیة وصل جل أمره بالموصى
إلیه .
الاعراب : ( یعقوب ) : رفع لأنه عطف على ( إبراهیم ) ، والتقدیر
ووصى إبراهیم ویعقوب وهذا معنى قول ابن عباس وقتادة . وقیل : إنه على
الاستئناف کأنه قال : ووصى یعقوب أن یا بنی إن الله اصطفى لکم الدین ،
والأول أظهر . والفرق بین التقدیرین أن الأول لا إضمار فیه لأنه معطوف .
والثانی فیه إضمار . والهاء فی ( بها ) تعود إلى الملة . وقد تقدم ذکرها ، وهو
قول الزجاج . وقیل : إنها تعود إلى الکلمة التی هی ( أسلمت لرب
العالمین ) . والألف واللام فی ( الدین ) للعهد دون الاستغراق ، لأنه أراد دین
الاسلام . وقوله : ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) وإن کان على لفظ النهی
لهم عن الموت ، فالنهی على الحقیقة عن ترک الاسلام ، لئلا یصادفهم الموت
علیه ، ومثله من کلام العرب : لا أرینک ها هنا . فالنهی فی اللفظ للمتکلم ،
وإنما هو فی الحقیقة للمخاطب ، فکأنه قال : لا تتعرض لأن أراک بکونک ها
هنا . وقوله : ( وأنتم مسلمون ) جملة فی موضع الحال وتقدیره : لا تموتوا إلا
مسلمین . وذو الحال الواو فی ( تموتوا ) ومعناه : لیأتکم الموت وأنتم
مسلمون .
المعنى : لما بین عز اسمه دعاء إبراهیم علیه السلام لذریته وحکم بالسفه على من
رغب عن ملته ، ذکر اهتمامه بأمر الدین ، وعهده به إلى نبیه فی وصیته فقال :
( ووصى بها ) أی بالملة ، أو بالکلمة التی هی قوله ( أسلمت لرب العالمین ) ، ویؤید
هذا قوله تعالى ( وجعلها کلمة باقیة فی عقبه ) وقیل : بکلمة لإخلاص ، وهی : لا
إله إلا الله . ( إبراهیم بنیه ) إنما خص البنین لأن إشفاقه علیهم أکثر ، وهم بقبول
وصیته أجدر ، وإلا فمن المعلوم أنه کان یدعو جمیع الأنام إلى الاسلام ، ویعقوب
وهو ابن إسحاق ، وإنما سمی یعقوب لأنه وعیصا کانا توأمین ، فتقدم عیص ، وخرج
یعقوب على أثره آخذا بعقبه عن ابن عباس . والمعنى : ووصى یعقوب بنیه الاثنی
عشر وهم الأسباط .
( ویعقوب یا بنی إن الله اصطفى لکم الدین ) أی : فقالا جمیعا : یا بنی إن الله
أختار لکم دین الاسلام ( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) أی : لا تترکوا الاسلام
فیصادفکم الموت على ترکه ، أو لا
|