تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ٣۱٣   

وثالثها : إنه لما ذکر إنعامه علیهم بالتولیة إلى
الکعبة ، ذکر السبب الذی استحقوا به ذلک الانعام ، وهو إیمانهم بما حملوه أولا ،
فقال : وما کان الله لیضیع إیمانکم الذی استحققتم به تبلیغ محبتکم فی التوجه إلى
الکعبة ، عن أبی القاسم البلخی .
وقوله : ( إن الله بالناس لرؤوف رحیم ) رؤوف بهم لا یضیع عنده عمل عامل
منهم . والرأفة أشد الرحمة . دل سبحانه بالرأفة والرحمة على أنه یوفر علیهم ما
استحقوه من الثواب ، من غیر تضییع لشئ منه . وقیل : إنه سبحانه دل بقوله رؤوف
رحیم ، على أنه منعم على الناس بتحویل القبلة .
واستدل کثیر من العلماء بهذه الآیة على أن إجماع الأمة حجة من حیث إنه
وصفهم بأنهم عدول ، فإذا عدلهم الله تعالى ، لم یجز أن تکون شهادتهم مردودة
والصحیح أنها لا تدل على ذلک ، لأن ظاهر الآیة أن یکون کل واحد من الأمة بهذه
الصفة ، ومعلوم خلاف ذلک . ومتى حملوا الآیة على بعض الأمة ، لم یکونوا بأولى
ممن یحملها على المعصومین والأئمة من آل الرسول علیهم السلام .
وفی هذه الآیة دلالة على جواز النسخ فی الشریعة ، بل على وقوعه ، لأنه
قال : ( وما جعلنا القبلة التی کنت علیها ) فأخبر أنه تعالى هو الجاعل لتلک القبلة ،
وأنه هو الذی نقله عنها ، وذلک هو النسخ .

قوله تعالى : ( قد نرى تقلب وجهک فی السماء فلنولینک قبلة ترضاها فول


وجهک شطر المسجد الحرام وحیث ما کنتم فولوا وجوهکم شطره وإن
الذین أوتوا الکتاب لیعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما
یعملون ( 144 ) ) .
اللغة : الرؤیة : هی إدراک الشئ بالبصر ، ونظیره الإبصار . ثم تستعمل
بمعنى العلم . والتقلب والتحول والتصرف نظائر : وهو التحرک فی الجهات ،
ویقال : ولیتک القبلة أی : صیرتک تستقبلها بوجهک ، ولیس هذا المعنى فی
فعلت منه ، لأنک تقول : ولیت الدار ، فلا یکون فیه دلالة على أنک واجهتها ،
ففعلت فی هذه الکلمة لیس بمنقول من فعلت الذی هو ولیت . وقد جاءت هذه
الکلمة مستعملة على خلاف المقابلة والمواجهة فی نحو قوله : ( ویولون
الدبر ) ، وقوله : ( ویولوکم الأدبار ) فهذا منقول من قولهم داری تلی داره ،
تقول : ولیت میامنه ، وولانی میامنه ، مثل فرح وفرحته . والرضا والمحبة
نظیران ، وإنما یظهر الفرق بضدیهما . فالمحبة : ضدها البغض . والرضا :
ضده السخط . وهو یرجع إلى الإرادة . فإذا قیل : رضی عنه ، فکأنه أراد
تعظیمه وثوابه . وإذا قیل : رضی عمله ، فکأنه أراد ذلک . والسخط : إرادة
الانتقام . وشطر المسجد الحرام : أی : نحوه وتلقاءه . قال الشاعر :
وقد أظلکم من شطر ثغرکم * هول له ظلم یغشاکم قطعا


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب