|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۱۷
( وما أنت بتابع قبلتهم ) فی معناه أربعة أقوال أحدها : إنه رفع لتجویز النسخ ،
وبیان أن هذه القبلة لا تنسخ وثانیها : إنه على وجه المقابلة لقوله ( ما تبعوا قبلتک )
کما یقال ما هم بتارکی إنکار الحق ، وما أنت بتارک الاعتراف به ، فیکون الذی جر
الکلام الثانی هو التقابل للکلام الأول . وثالثها : إن المراد لیس یمکنک استصلاحهم
باتباع قبلتهم ، لاختلاف وجهتهم لأن النصارى تتوجه إلى جهة المشرق ، الموضع
الذی ولد فیه عیسى علیه السلام ، والیهود إلى بیت المقدس . فبین الله سبحانه أن إرضاء
الفریقین محال ورابعها : إن المراد حسم أطماع أهل الکتاب من الیهود ، إذ کانوا
طمعوا فی ذلک ، وظنوا أنه یرجع إلى الصلاة إلى بیت المقدس .
وقوله ( وما بعضهم بتابع قبلة بعض ) فی معناه قولان أحدهما : إنه لا تصیر
النصارى کلهم یهودا ، أو تصیر الیهود کلهم نصارى أبدا ، کما لا یتبع جمیعهم
الاسلام . وهذا من الإخبار بالغیب قاله الحسن والسدی الآخر : إن معناه اسقاط
اعتلالهم بأنه لا یجوز مخالفة أهل الکتاب ، فیما ورثوه عن أنبیاء الله ، وأن بیت
المقدس لم یزل کان قبلة الأنبیاء ، فهو أولى بأن یکون قبلة أی : فکما جاز أن یخالف
بین وجهتیهم للاستصلاح ، جاز أن یخالف بوجهة ثالثة فی زمان آخر للاستصلاح .
ویحتمل أیضا أن یجری الکلام على الظاهر ، لأنه لم یثبت أن یهودیا تنصر ، ولا أن
نصرانیا تهود ، فلا ضرورة بنا إلى العدول عن الظاهر إلى التأویل ، وهذا قول
القاضی .
وقوله : ( ولئن اتبعت أهواءهم ) الخطاب للنبی صلى الله علیه وآله وسلم ، وفیه أربعة أقوال
أولها : إن المراد به غیره من أمته ، وإن کان الخطاب له ، والمراد الدلالة على أن
الوعید یستحق باتباع أهوائهم ، وأن اتباعهم ردة ، عن الحسن والزجاج وثانیها : إن
المراد إن اتبعت أهواءهم فی المداراة لهم ، حرصا أن یؤمنوا ، إنک إذا لمن الظالمین
لنفسک ، مع أعلامنا إیاک أنهم لا یؤمنون ، عن الجبائی وثالثها : إن معناه الدلالة
على فساد مذاهبهم ، وتبکیتهم ( 1 ) بها ، وأن من تبعهم کان ظالما ورابعها : إنه على
سبیل الزجر عن الرکون إلیهم ومقاربتهم ، تقویة لنفسه ، ومتبعی شریعته ، لیستمروا
على عداوتهم ، عن القاضی .
( من بعد ما جاءک من العلم ) أی : من الآیات والوحی الذی هو طریق العلم .
وقیل . من بعد ما علمت أن الحق ما أنت علیه من القبلة والدین . ( إنک إذا لمن
الظالمین ) وقد مضى معناه ، وهو مثل قوله : ( لئن أشرکت لیحبطن عملک ) . وفی
هذه الآیة دلالة على فساد قول من قال : إنه لا یصح الوعید بشرط ، وإن من علم الله
_______________________________
( 1 ) التبکیت : الغلبة بالحجة .
|