|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۲
المعنى : قوله تعالى ( إیاک نعبد وإیاک نستعین ) : أدل على الاختصاص
من أن نقول نعبدک ونستعینک ، لأن معناه نعبدک ، ولا نعبد سواک ،
ونستعینک ، ولا نستعین غیرک ، کما إذا قال الرجل : إیاک أعنی ، فمعناه : لا
أعنی غیرک . ویکون أبلغ من أن یقول أعنیک . والعبادة ضرب من الشکر وغایة
فیه ، لأنها الخضوع بأعلى مراتب الخضوع مع التعظیم بأعلى مراتب التعظیم ،
ولا یستحق إلا بأصول النعم التی هی خلق الحیاة والقدرة والشهوة ، ولا یقدر
علیه غیر الله تعالى ، فلذلک اختص سبحانه بأن یعبد . ولا یستحق بعضنا على
بعض العبادة کما یستحق بعضنا على بعض الشکر ، وتحسن الطاعة لغیر الله
تعالى ، ولا تحسن العبادة لغیره . وقول من قال : إن العبادة هی الطاعة
للمعبود ، یفسد بأن الطاعة موافقة الأمر ، وقد یکون موافقا لأمره ، ولا یکون
عابدا له . ألا ترى أن الابن یوافق أمر الأب ، ولا یکون عابدا له ، وکذلک العبد
یطیع مولاه ، ولا یکون عابدا له بطاعته إیاه ، والکفار یعبدون الأصنام ، ولا
یکونون مطیعین لهم ، إذ لا یتصور من جهتهم الأمر . ومعنى قوله ( إیاک
نستعین ) : إیاک نستوفق ونطلب المعونة على عبادتک ، وعلى أمورنا کلها .
والتوفیق : هو أن یجمع بین جمیع الأسباب التی یحتاج إلیها فی حصول
الفعل ، ولهذا لا یقال فیمن أعان غیره : وفقه ، لأنه لا یقدر أن یجمع بین
جمیع الأسباب التی یحتاج إلیها فی حصول الفعل . وأما تکرار قوله ( إیاک )
فلأنه لو اقتصر على واحد ، ربما توهم متوهم أنه لا یتقرب إلى الله تعالى إلا
بالجمع بینهما ، ولا یمکنه أن یفصل بینهما ، وهو إذا تفکر فی عظمة الله تعالى
کان عبادة ، وإن لم یستعن به . وقیل : انه جمع بینهما للتأکید ، کما یقال الدار
بین زید وبین عمرو ، ولو اقتصر على واحد فقیل : بین زید وعمرو ، کان
جائزا . قال عدی بن زید :
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به * بین النهار ، وبین اللیل ، قد فصلا
وقال أعشى همدان :
بین الأشج ، وبین قیس باذخ * بخ بخ لوالده ، وللمولود
وهذا القول فیه نظر ، لأن التکریر إنما یکون تأکیدا إذا لم یکن محمولا على
فعل ثان . وإیاک الثانی فی الآیة محمول على نستعین ، ومفعول له ، فکیف یکون
تأکیدا . وقیل أیضا إنه تعلیم لنا فی تجدید ذکره تعالى عند کل حاجة . فإن قیل : إن
عبادة الله تعالى لا تتأتى بغیر إعانة منه ، فکان یجب أن یقدم الاستعانة على العبادة .
فالجواب : إنه قدم العبادة على الاستعانة لا على الإعانة ، وقد تأتی بغیر استعانة .
وأیضا فإن أحدهما إذا کان مرتبطا بالآخر ، لم یختلف التقدیم والتأخیر ، کما یقال :
قضیت حقی فأحسنت إلی ، وأحسنت إلی فقضیت حقی . وقیل : إن السؤال للمعونة
إنما یقع على عبادة مستأنفة ، لا على عبادة واقعة منهم ، وإنما حسن طلب المعونة ،
وإن کان لا بد منها مع التکلیف على وجه الانقطاع إلیه تعالى کقوله ( رب احکم
بالحق ) ولأنه ربما لا یکون اللطف فی إدامة التکلیف ، ولا فی فعل المعونة به إلا بعد
تقدیم الدعاء من العبد .
وقد أخطأ من استدل بهذه الآیة على أن القدرة مع الفعل ، من حیث إن القدرة
لو کانت متقدمة ، لما کان لطلب المعونة وجه ، لأن للرغبة إلى الله تعالى فی طلب
المعونة وجهین
|