|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۲۸
والمعتمد هو القول الأول ،
لأن علیه إجماع المفسرین ، ولأن الخطاب للمؤمنین ، وکانوا یعلمون أن الشهداء على
الحق والهدى ، وأنهم ینشرون ویحیون یوم القیامة ، فلا یجوز أن یقال لهم ولکن لا
تشعرون من حیث إنهم کانوا یشعرون ذلک ویقرون به ، ولأن حمله على ذلک یبطل
فائدة تخصیصهم بالذکر ، ولو کانوا أیضا أحیاء بما حصل لهم من جمیل الثناء ، لما
قیل أیضا ( ولکن لا تشعرون ) لأنهم کانوا یشعرون ذلک . ووجه تخصیص الشهداء
بکونهم أحیاء ، وإن کان غیرهم من المؤمنین قد یکونون أحیاء فی البرزخ ، أنه على
جهة التقدیم للبشارة بذکر حالهم ، ثم البیان لما یختصون به من أنهم یرزقون کما فی
الآیة الأخرى یرزقون ، فرحین بما أتاهم الله من فضله .
فإن قیل : نحن نرى جثث الشهداء مطروحة على الأرض ، لا تنصرف ولا یرى
فیها شئ من علامات الإحیاء ؟ فالجواب : إن على مذهب من یقول بالإنسان من
أصحابنا أن الله تعالى یجعل لهم أجساما کأجسامهم فی دار الدنیا یتنعمون فیها ، دون
أجسامهم التی فی القبور ، فإن النعیم والعذاب ، إنما یحصل عنده إلى النفس التی
هی الانسان المکلف عنده ، دون الجثة .
ویؤید ذلک ما رواه الشیخ أبو جعفر فی کتاب تهذیب الأحکام مسندا إلى
علی بن مهزیار ، عن القاسم بن محمد ، عن الحسین بن أحمد ، عن یونس بن
ظبیان ، قال : کنت عند أبی عبد الله علیه السلام جالسا ، فقال : ما یقول الناس فی أرواح
المؤمنین ؟ قلت : یقولون فی حواصل طیر خضر ، فی قنادیل تحت العرش . فقال أبو
عبد الله : سبحان الله المؤمن أکرم على الله أن یجعل روحه فی حوصلة طائر أخضر .
یا یونس ! المؤمن إذا قبضه الله تعالى ، صیر روحه فی قالب کقالبه فی الدنیا ،
فیأکلون ویشربون ، فإذا قدم علیهم القادم عرفوه بتلک الصورة التی کانت فی الدنیا .
وعنه عن ابن أبی عمیر عن حماد عن أبی بصیر قال : سألت أبا عبد الله علیه السلام
عن أرواح المؤمنین ، فقال : فی الجنة على صور أبدانهم ، لو رأیته لقلت فلان . فأما
على مذهب من قال من أصحابنا إن الانسان هذه الجملة المشاهدة ، وإن الروح هو
النفس المتردد فی مخارق الحیوان ، وهو أجزاء الجو ، فالقول إنه یلطف أجزاء من
الانسان لا یمکن أن یکون الحی حیا بأقل منها ، یوصل إلیها النعیم ، وإن لم تکن
تلک الجملة بکمالها ، لأنه لا معتبر بالأطراف ، وأجزاء السمن فی کون الحی حیا ،
فإن الحی لا یخرج بمفارقتها من کونه حیا ، وربما قیل بأن الجثة یجوز أن تکون
مطروحة فی الصورة ، ولا تکون میتة ، فتصل إلیها اللذات ، کما أن النائم حی ،
وتصل إلیه اللذات ، مع أنه لا یحس ، ولا یشعر بشئ من ذلک ، فیرى فی النوم ما
یجد به السرور والالتذاذ حتى إنه یود أن یطول نومه ، فلا ینتبه . وقد جاء فی
الحدیث : إنه یفسح له مد بصره ، ویقال له : نم نومة العروس .
وقوله : ( ولکن لا تشعرون ) أی : لا تعلمون أنهم أحیاء . وفی هذه الآیة
دلالة على صحة مذهبنا فی سؤال القبر ، وإثابة المؤمن فیه ، وعقاب العصاة على ما
تظاهرت به الأخبار . وإنما حمل البلخی الآیة على حیاة الحشر لإنکاره عذاب القبر .
|