تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ٣٤٣   

لنفسه ، الذی لیس بجسم
ولا عرض ، إذ جمیع ما هو بصفة الأجسام والأعراض محدث ، ولا بد له من محدث
لیس بمحدث لاستحالة التسلسل ، ویدل کونهما على وجه الإتقان والإحکام ،
والاتساق والانتطام ، على کون فاعلهما عالما حکیما .
وأما اختلاف اللیل والنهار ، وجریهما على وتیرة واحدة ، وأخذ أحدهما من
صاحبه الزیادة والنقصان ، وتعلق ذلک بمجاری الشمس والقمر ، فیدل على عالم مدبر
یدبرهما على هذا الحد ، لا یسهو ولا یذهل من جهة أنها أفعال محکمة ، واقعة على
نظام وترتیب ، لا یدخلها تفاوت ولا اختلال .
وأما الفلک التی تجری فی البحر بما ینفع الناس ، فیدل حصول الماء على ما
تراه من الرقة واللطافة التی لولاها لما أمکن جری السفن علیه ، وتسخیر الریاح
لإجرائها فی خلاف الوجه الذی یجری الماء إلیه ، على منعم دبر ذلک لمنافع خلقه ،
لیس من جنس البشر ، ولا من قبیل الأجسام ، لأن الأجسام یتعذر علیها فعل ذلک .
وأما الماء الذی ینزل من السماء فیدل إنشاؤه وإنزاله قطرة قطرة ، لا تلتقی
أجزاؤه ، ولا تتألف فی الجو فینزل مثل السیل ، فیخرب البلاد والدیار ، ثم إمساکه فی
الهواء مع أن من طبع الماء الانحدار إلى وقت نزوله بقدر الحاجة ، وفی أوقاتها على
أن مدبره قادر على ما یشاء من الأمور ، عالم حکیم خبیر .
وأما إحیاء الأرض بعد موتها : فیدل بظهور الثمار وأنواع النبات ، وما یحصل به
من أقوات الخلق ، وأرزاق الحیوانات ، واختلاف طعومها وألوانها وروائحها ،
واختلاف مضارها ومنافعها فی الأغذیة والأدویة على کمال قدرته ، وبدائع حکمته ،
سبحانه من علیم حکیم ، ما أعظم شأنه .
وأما بث کل دابة فیها فیدل على أن لها صانعا مخالفا لها ، منعما بأنواع النعم ،
خالقا للذوات المختلفة بالهیئات ، المختلفة فی التراکیب ، المتنوعة من اللحم
والعظم ، والأعصاب والعروق ، وغیر ذلک من الأعضاء والأجزاء المتضمنة لبدائع
الفطرة ، وغرائب الحکمة ، الدالة على عظیم قدرته ، وجسیم نعمته .
وأما الریاح فیدل تصریفها بتحریکها وتفریقها فی الجهات مرة حارة ومرة باردة ،
وتارة لینة وأخرى عاصفة ، وطورا عقیما وطورا لاقحة ، على أن مصرفها قادر على ما
لا یقدر علیه سواه ، إذ لو أجمع الخلق کلهم على أن یجعلوا الصبا دبورا ، أو الشمال
جنوبا ، لما أمکنهم ذلک .
وأما السحاب المسخر فیدل على أن ممسکه هو القدیر الذی لا شبیه له ولا
نظیر ، لأنه لا یقدر على تسکین الأجسام بغیر علاقة ولا دعامة ، إلا الله سبحانه
وتعالى ، القادر لذاته الذی لا نهایة لمقدوراته .
فهذه هی الآیات الدالة على أن الله سبحانه صانع غیر مصنوع ، قادر لا یعجزه
شئ ، عالم لا یخفى علیه شئ ، حی لا تلحقه الآفات ، ولا تغیره الحادثات ، ولا
یعزب عنه مثقال ذرة فی الأرض ولا فی السماء ، وهو السمیع البصیر . استشهد
بحدوث هذه الأشیاء على قدمه وأزلیته ،


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب