تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ٣۵۹   

قوله تعالى : ( إن الذین یکتمون ما أنزل الله من الکتاب ویشترون به ثمنا


قلیلا أولئک ما یأکلون فی بطونهم إلا النار ولا یکلمهم الله یوم القیامة
ولا یزکیهم ولهم عذاب ألیم ( 174 ) ) .
اللغة : البطن : خلاف الظهر . والبطن : الغامض من الأرض . والبطن
من العرب : دون القبیلة .
الاعراب : ( الذین ) مع صلته ، منصوب بأن . و ( أولئک ) : رفع
بالابتداء ، وخبره : ( ما

یأکلون فی بطونهم إلا النار ) . والمبتدأ وخبره جملة
فی موضع الرفع بکونها خبر إن . و ( النار ) نصب بیأکلون .
النزول : المعنی فی هذه الآیة أهل الکتاب بإجماع المفسرین ، إلا أنها
متوجهة على قول کثیر منهم إلى جماعة قلیلة من الیهود ، وهم علماؤهم ،
ککعب بن الأشرف ، وحیی بن أخطب ، وکعب بن أسد . وکانوا یصیبون من
سفلتهم الهدایا ، ویرجون کون النبی منهم . فلما بعث من غیرهم ، خافوا زوال
مأکلتهم فغیروا صفته ، فأنزل الله هذه الآیة .
المعنى : ثم عاد إلى ذکر الیهود الذین تقدم ذکرهم ، فقال تعالى : ( إن
الذین یکتمون ما انزل الله من الکتاب ) أی : صفة محمد والبشارة به ، عن ابن
عباس وقتادة والسدی . وقیل : کتموا الأحکام ، عن الحسن . والکتاب : على
القول الأول هو التوراة . وعلى الثانی : یجوز أن یحمل على القرآن ، وعلى
سائر الکتب . ( ویشترون به ثمنا قلیلا ) أی : یستبدلون به عرضا قلیلا . ولیس
المراد أنهم إذا اشتروا به ثمنا کثیرا کان جائزا ، بل الفائدة فیه أن کل ما یأخذونه
فی مقابلة ذلک من حطام الدنیا ، فهو قلیل . وللعرب فی ذلک عادة معروفة ،
ومذهب مشهور ، ومثله فی القرآن کثیر ، قال : ( ومن یدع مع الله إلها آخر لا
برهان له به ) ( ویقتلون النبیین بغیر حق ) . وفیه دلالة على أن من ادعى أن مع
الله إلها آخر لا یقوم له على قوله برهان ، وأن قتل الأنبیاء لا یکون إلا بغیر
حق ، وذلک بأن وصف الشئ بما لا بد أن یکون علیه الصفة ، ومثله فی الشعر
قول النابغة :
یحفه جانبا نیق ، ویتبعه * مثل الزجاجة ، لم تکحل من الرمد ( 1 )
أی : لیس بها رمد فیکتحل له . وقول الآخر :
لا یغمز من أین ، ومن وصب ، * ولا یعض على شرسوفه الصفر ( 2 )
أی : لیس بساقه أین ولا وصب فیغمزها من أجلهما . وقول سوید بن أبی
الکاهل :
من أناس لیس فی أخلاقهم * عاجل الفحش ، ولا سوء الجزع
ولم یرد أن فی أخلاقهم فحشا آجلا ، أو جزعا غیر سئ ، بل نفى الفحش
والجزع عن أخلاقهم . وفی أمثال هذا کثیرة . ( أولئک ) : یعنی الذین کتموا ذلک ،
وأخذوا الأجر على الکتمان ( ما یأکلون فی بطونهم إلا النار ) ومعناه : إن أکلهم فی
الدنیا ، وإن کان طیبا فی الحال ، فکأنهم لم یأکلوا إلا النار ، لأن ذلک یؤدیهم إلى
النار ، کقوله سبحانه فی أکل مال الیتیم : ( إنما یأکلون فی بطونهم نارا ) عن الحسن
والربیع وأکثر المفسرین . وقیل : إنهم یأکلون النار حقیقة فی جهنم ، عقوبة لهم على
کتمانهم ، فیصیر ما أکلوا فی بطونهم نارا یوم القیامة ، فسماه فی الحال بما یصیر إلیه
فی المآل .
__________________________
( 1 ) النیق : أرفع موضع فی الجبل .
( 2 ) غمزه : جسه وکبسه بالید . الأین : الإعیاء . والوصب : المرض . وشرسوف : رأس الضلع من
جانب البطن . والصفر فیما تزعم العرب : حیة فی البطن تعض الانسان إذا جاع .


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب