|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۷۲
والآخر : ما قاله الزجاج وهو : إن الوصیة رغب فیها فی حال الصحة ، فتقدیره
کتب علیکم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصیة ، قائلین إذا حضرنا الموت
فلفلان کذا . و ( حقا ) : نصب على المصدر وتقدیره أحق ذلک حقا ، وقد
استعمل على وجه الصفة بمعنى ذی الحق ، کما وصف بالعدل ، فعلى هذا
یکون نصبا على الحال . ویجوز أن یکون مصدر کتب من غیر لفظه ، تقدیره
کتب کتابا .
المعنى : ثم بین سبحانه شریعة أخرى ، وهو الوصیة ، فقال : ( کتب
علیکم ) أی : فرض علیکم ( إذا حضر أحدکم الموت ) أی : أسباب الموت
من مرض ونحوه من الهرم . ولم یرد إذا عاین البأس ، وملک الموت ، لأن تلک
الحالة تشغله عن الوصیة . وقیل : فرض علیکم الوصیة فی حال الصحة أن
تقولوا : إذا حضرنا الموت فافعلوا کذا ( إن ترک خیرا ) أی : مالا .
واختلف فی المقدار الذی یجب الوصیة عنده ، فقال الزهری : فی القلیل
والکثیر مما یقع علیه اسم المال . وقال إبراهیم النخعی : من ألف درهم إلى
خمسمائة . وقال ابن عباس : إلى ثمانمائة درهم . وروی عن علی علیه السلام أنه دخل
على مولى له فی مرضه ، وله سبعمائة أو ستمائة درهم ، فقال : ألا أوصی ؟ فقال :
لا ، إن الله سبحانه قال : ( إن ترک خیرا ) ولیس لک کثیر مال . وهذا هو المأخوذ به
عندنا لأن قوله حجة . ( الوصیة للوالدین والأقربین ) أی : الوصیة لوالدیه وقرابته
( بالمعروف ) أی : بالشئ الذی یعرف أهل التمییز أنه لا جور فیه ولا حیف .
ویحتمل أن یرجع ذلک إلى قدر ما یوصی ، لأن من یملک المال الکثیر إذا أوصى
بدرهم ، فلم یوص بالمعروف . ویحتمل أن یرجع إلى الموصى لهم ، فکأنه أمر
بالطریقة الجمیلة فی الوصیة ، فلیس من المعروف أن یوصی للغنی ، ویترک الفقیر ،
ویوصی للقریب ، ویترک الأقرب منه ، ویجب حمله على کلا الوجهین .
( حقا على المتقین ) أی : حقا واجبا على من آثر التقوى ، وهذا تأکید فی
الوجوب . واختلف فی هذه الآیة فقیل : إنها منسوخة . وقیل : إنها منسوخة فی
المواریث ثابتة فی غیر الوارث . وقیل : إنها غیر منسوخة أصلا ، وهو الصحیح عند
المحققین من أصحابنا لأن من قال إنها منسوخة بآیة المواریث فقوله باطل بأن النسخ
بین الخبرین ، إنما یکون إذا تنافى العمل بموجبهما ، ولا تنافی بین آیة المواریث وآیة
الوصیة ، فکیف تکون هذه ناسخة بتلک مع فقد التنافی .
ومن قال إنها منسوخة بقوله علیه السلام " لا وصیة لوارث " فقد أبعد ، لأن الخبر لو
سلم من کل قدح ، لکان یقتضی الظن ، ولا یجوز أن ینسخ کتاب الله تعالى الذی
یوجب العلم الیقین بما یقتضی الظن . ولو سلمنا الخبر مع ما ورد من الطعن على
روایة . لخصصنا عموم الآیة ، وحملناها على أنه لا وصیة لوارث بما یزید على الثلث
لأن ظاهر الآیة یقتضی أن الوصیة جائزة لهم بجمیع ما یملک .
وقول من قال حصول الاجماع على أن الوصیة لیست بفرض ، یدل على أنها
منسوخة ، یفسد
|