|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۸
کما أنشد أبو عبیدة : " فی بئر لا حور سرى وما شعر " أی فی بئر هلکة ، وتقدیره غیر المغضوب
علیهم والضالین . کما قال : ( ما منعک أن لا تسجد ) بمعنى أن تسجد .
المعنى واللغة : معنى الآیة بیان الصراط المستقیم أی : صراط من
أنعمت علیهم بطاعتک ، وهم الذین ذکرهم الله تعالى فی قوله ( من یطع الله
والرسول فأولئک مع الذین أنعم الله علیهم من النبیین والصدیقین والشهداء
والصالحین ) وأصل النعمة : المبالغة والزیادة ، یقال : دققت الدواء فأنعمت
دقه أی : بالغت فی دقه . وهذه النعمة ، وإن لم تکن مذکورة فی اللفظ ،
فالکلام یدل علیها ، لأنه لما قال ( اهدنا الصراط المستقیم ) وقد بینا المراد
بذلک ، بین أن هذا صراط من أنعم علیهم به ، ولم یحتج إلى إعادة اللفظ کما
قال النابغة :
کأنک من جمال بنی أقیش * یقعقع خلف رجلیه بشن
أی : کأنک من جمالهم جمل یقعقع خلف رجلیه . وأراد ب ( المغضوب
علیهم ) الیهود عند جمیع المفسرین ، الخاص والعام . ویدل علیه قوله تعالى : ( من
لعنه الله وغضب علیه وجعل منهم القردة والخنازیر ) وهؤلاء هم الیهود بدلالة قوله
تعالى : ( ولقد علمتم الذین اعتدوا منکم فی السبت فقلنا لهم کونوا قردة خاسئین ) .
وأراد ب ( الضالین ) : النصارى بدلالة قوله تعالى : ( ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من
قبل وأضلوا کثیرا وضلوا عن سواء السبیل ) . وقال الحسن البصری : إن الله تعالى لم
یبرئ الیهود من الضلالة بإضافة الغضب إلى الیهود ، بل کل واحدة من الطائفتین
مغضوب علیهم ، وهم ضالون ، إلا أن الله تعالى یخص کل فریق بسمة یعرف بها ،
ویمیز بینه وبین غیره بها ، وإن کانوا مشترکین فی صفات کثیرة . وقیل : المراد
ب ( المغضوب علیهم ) ، و ( الضالین ) جمیع الکفار ، وإنما ذکروا بالصفتین
لاختلاف ( 1 ) الفائدتین . واختار الإمام عبد القاهر الجرجانی قولا آخر قال : إن حق
اللفظ فیه أن یکون خرج مخرج الجنس ، کما تقول : نعوذ بالله أن یکون حالنا حال
المغضوب علیهم ، فإنک لا تقصد به قوما بأعیانهم ، ولکنک ترید ما تریده بقولک إذا
قلت : اللهم اجعلنی ممن أنعمت علیهم ، ولا تجعلنی ممن غضبت علیهم ، فلا
ترید أن ههنا قوما بأعیانهم قد اختصوا بهذه الصفة التی هی کونهم منعما علیهم ،
ولیس یخفى على من عرف الکلام أن العقلاء یقولون : اجعلنی ممن تدیم له النعمة ،
وهم یریدون أن یقولوا أدم علی النعمة . ولا یشک عاقل إذا نظر لقول عنترة :
ولقد نزلت ، فلا تظنی غیره * منی بمنزلة المحب المکرم
إنه لم یرد أن یشبهها بإنسان هو محب مکرم عنده ، أو عند غیره ، ولکنه أراد أن
یقول إنک محبة مکرمة عندی . وأما الغضب من الله تعالى : فهو إرادته إنزال العقاب
المستحق بهم ، ولعنهم ، وبراءته منهم . وأصل الغضب : الشدة ، ومنه الغضبة :
وهی الصخرة الصلبة الشدیدة ، المرکبة فی الجبل .
( 1 ) [ المخالفة له ] .
|