تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ٤۹   

الذین : موصول ، ویؤمنون صلته ، ویحتمل أن یکون محله نصبا وجرا ورفعا .
فالنصب على المدح تقدیره أعنی الذین یؤمنون . وأما الجر فعلى أنه صفة
للمتقین . وأما الرفع فعلى المدح أیضا ، کأنه لما قیل هدى للمتقین ، قیل :
من هم ؟ قیل : هم الذین یؤمنون بالغیب ، فیکون خبر مبتدأ محذوف .
ویؤمنون : معناه یصدقون والواو فی موضع الرفع بکونه ضمیر الفاعلین . والنون
علامة الرفع . والأصل فی یفعل : یؤفعل ، ولکن الهمزة حذفت ، لأنک إذا
أنبأت عن نفسک ، قلت أنا أفعل . فکانت تجتمع همزتان ، فاستثقلتا ،
فحذفت الهمزة الثانیة ، فقیل : أفعل . ثم حذفت من الصیغ الاخر نفعل وتفعل
ویفعل ، کما أن باب یعد حذفت منه الواو لوقوعها بین یاء وکسرة ، إذ الأصل
یوعد . ثم حذفت فی تعد وأعد ونعد ، لیجری الباب على سنن واحد . قال
الأزهری : اتفق العلماء على أن الإیمان هو التصدیق ، قال الله تعالى : ( وما
أنت بمؤمن لنا ) أی : ما أنت بمصدق لنا . قال أبو زید : وقالوا ما أمنت أن
أجد صحابة أی : ما وثقت . فالإیمان : هو الثقة والتصدیق ، قال الله تعالى :
( الذین آمنوا بآیاتنا ) أی : صدقوا ووثقوا بها . وقال الشاعر أنشده ابن
الأنباری :
ومن قبل آمنا ، وقد کان قومنا * یصلون للأوثان قبل محمدا
ومعناه آمنا محمدا أی : صدقناه . ویجوز أن یکون آمن من قیاس فعلته فأفعل ،
تقول أمنته فأمن ، مثل کببته فأکب . والأمن : خلاف الخوف . والأمانة : خلاف
الخیانة . والأمون : الناقة القویة ، کأنها یؤمن عثارها وکلالها . ویجوز أن یکون آمن
بمعنى صار ذا أمن على نفسه بإظهار التصدیق نحو : أجرب وأعاه وأصح وأسلم :
صار ذا سلم أی : خرج عن أن یکون جربا . هذا فی أصل اللغة .
أما فی الشریعة فالإیمان هو التصدیق بکل ما یلزم التصدیق به من الله تعالى
وأنبیائه ، وملائکته ، وکتبه ، والبعث والنشور ، والجنة والنار . وأما قولنا فی وصف
القدیم تعالى المؤمن : فإنه یحتمل تأویلین أحدهما : أن یکون من آمنت المتعدی إلى
مفعول ، فنقل بالهمزة فتعدى إلى مفعولین ، فصار من أمن زید العذاب ، وآمنته
العذاب ، فمعناه : المؤمن عذابه من لا یستحقه من أولیائه . ومن هذا وصفه سبحانه
بالعدل کقوله ( قائما بالقسط ) ، وهذا الوجه مروی فی أخبارنا . والآخر : أن یکون
معناه المصدق أی : یصدق الموحدین على توحیدهم إیاه ، یدل علیه قوله ( شهد الله
أنه لا إله إلا هو ) لأن الشاهد مصدق لما یشهد به ، کما أنه مصدق من یشهد له ،
فإذا شهد بالتوحید فقد صدق الموحدین .
وأما الغیب فهو کلما غاب عنک ولم تشهده . وقوله ( بالغیب ) کأنه إجمال لما
فصل فی قوله : ( کل آمن بالله وملائکته وکتبه ورسله ) أی : یؤمنون بما کفر به الکفار
من وحدانیة الله ، وإنزال کتبه ، وإرسال رسله ، فکل هذا غیب . فعلى هذا یکون
الجار والمجرور فی موضع نصب بأنه مفعول به . وفیه وجه آخر ، وهو أن یکون أراد
یؤمنون إذا غابوا عنکم ، ولم یکونوا کالمنافقین . ومثله قوله : ( وخشی الرحمن
بالغیب ) . فعلى هذا یکون الجار والمجرور فی موضع الحال أی : یؤمنون غائبین
عن مراءاة الناس لا یریدون بإیمانهم تصنعا لأحد ، ولکن یخلصونه لله ،


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب