|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۵٠
ویقیمون الصلاة یؤدونها بحدودها وفرائضها ، یقال أقام القوم سوقهم : إذا لم یعطلوها من البیع
والشراء ، وقال الشاعر :
أقامت غزالة سوق الضراب * لأهل العراقین حولا قمیطا
وقال أبو مسلم : یقیمون الصلاة أی : یدیمون أداء فرائضها ، یقال للشئ
الراتب : قائم ، ویقال : فلان یقیم أرزاق الجند ، والصلاة فی اللغة : الدعاء ، قال
الأعشى :
وأقبلها ( 1 ) الریح فی ظلها * وصلى على دنها ، وارتسم
أی : دعا لها . ومنه الحدیث : " إذا دعی أحدکم إلى طعام فلیجب وإن کان
صائما فلیصل " أی : فلیدع له بالبرکة والخیر . وقیل : أصله رفع الصلا فی الرکوع ،
وهو عظم فی العجز . وقوله : ( ومما رزقناهم ینفقون ) : ما هذه حرف موصول .
و ( رزقناهم ) : صلته . وهما جمیعا بمعنى المصدر ، تقدیره : ومن رزقنا إیاهم
ینفقون ، أو اسم موصول ورزقناهم صلته ، والعائد من الصلة إلى الموصول
محذوف ، والتقدیر : ومن الذی رزقناهموه ینفقون ، فیکون ما رزقناهم فی موضع جر
بمن ، والجار والمجرور فی موضع نصب بأنه مفعول ینفقون . والرزق : هو العطاء
الجاری ، وهو نقیض الحرمان . والانفاق : اخراج المال ، یقال : أنفق ماله أی :
أخرجه عن ملکه . ونفقت الدابة : إذا خرج روحها . والنافقاء : جحر الیربوع ، لأنه
یخرج منها . ومنه النفاق ، لأن المنافق یخرج إلى المؤمن بالإیمان ، وإلى الکافر
بالکفر .
المعنى : لما وصف القرآن بأنه هدى للمتقین ، بین صفة المتقین ،
فقال : ( الذین یؤمنون بالغیب ) أی : یصدقون بجمیع ما أوجبه الله تعالى ، أو
ندب إلیه ، أو أباحه . وقیل : یصدقون بالقیامة والجنة والنار ، عن الحسن .
وقیل : بما جاء من عند الله ، عن ابن عباس . وقیل : بما غاب عن العباد
علمه ، عن ابن مسعود ، وجماعة من الصحابة . وهذا أولى لعمومه ، ویدخل
فیه ما رواه أصحابنا من زمان غیبة المهدی علیه السلام ، ووقت خروجه . وقیل : الغیب
هو القرآن ، عن زر بن حبیش . وقال الرمانی : الغیب خفاء الشئ عن الحس قرب
أو بعد ، إلا أنه کثرت صفة غائب على البعید الذی لا یظهر للحس . وقال البلخی :
الغیب کل ما أدرک بالدلائل والآیات ، مما یلزم معرفته . وقالت المعتزلة بأجمعها :
الإیمان هو فعل الطاعة . ثم اختلفوا ، فمنهم من اعتبر الفرائض والنوافل ، ومنهم من
اعتبر الفرائض حسب واعتبروا اجتناب الکبائر کلها . وقد روى الخاص والعام ، عن
علی بن موسى الرضا علیه السلام : إن الإیمان هو التصدیق بالقلب والإقرار باللسان ،
والعمل بالأرکان . وقد روی ذلک على لفظ آخر عنه أیضا : الإیمان قول مقول ،
وعمل معمول ، وعرفان بالعقول ، واتباع الرسول . وأقول : إن أصل الإیمان هو
المعرفة بالله وبرسله ، وبجمیع ما جاءت به رسله . وکل عارف بشئ فهو مصدق به ،
یدل علیه هذه الآیة ، فإنه تعالى لما ذکر الإیمان ، علقه بالغیب ، لیعلم أنه تصدیق
للمخبر به من الغیب على معرفة وثقة . ثم أفرده بالذکر عن سائر
( 1 ) فی ( لسان العرب ) و ( تفسیر الطبری ) : ( وقابلها ) ولعله الأصح
|