تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۵٦   

علی أقمت أم قعدت ، فقد سویت الأمرین علیک ، کما أنک إذا استفهمت فقلت : أقام
زید أم قعد ، فقد استوى الأمران عندک فی الاستفهام ، وعدم علم أحدهما بعینه .
فلما عمتهما التسویة ، جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام ، لمشارکته له فی
الإبهام . فکل استفهام تسویة ، وإن لم یکن کل تسویة استفهاما . وقال النحویون :
إن نظیر ( سواء ) فی هذا قولک : ما أبالی أقبلت أم أدبرت ، لأنه وقع موقع أی ،
فکأنک قلت : ما أبالی أی هذین کان منک . وما أدری أحسنت أم أسأت ، ولیت
شعری أقام أم قعد . وقال حسان :
ما أبالی أنب بالحزن تیس ، * أم لحانی بظهر غیب لئیم
ومثله فی أنه فی صورة الاستفهام ، وهو خبر ، قول جریر :
ألستم خیر من رکب المطایا ، * وأندى العالمین بطون راح
ولو کان استفهاما لم یکن مدحا ، وقول الآخر :
سواء علیه أی حین أتیته * أساعة نحس تتقى ، أم بأسعد
النزول : قیل : نزلت فی أبی جهل ، وخمسة من أهل بیته قتلوا یوم بدر ،
عن الربیع بن انس ، واختاره البلخی . وقیل : نزلت فی قوم بأعیانهم من أحبار
الیهود ممن کفر بالنبی صلى الله علیه وآله وسلم عنادا وکتم أمره حسدا ، عن ابن عباس . وقیل :
نزلت فی أهل الختم والطبع الذین علم الله أنهم لا یؤمنون ، عن أبی علی الجبائی .
وقیل : نزلت فی مشرکی العرب ، عن الأصم . وقیل : هی عامة فی جمیع الکفار .
أخبر تعالى بان جمیعهم لا یؤمنون ، ویکون کقول القائل : لا یقدم جمیع إخوتک
الیوم ، فلا ینکر أن یقدم بعضهم . واختار الشیخ أبو جعفر ، قدس الله روحه ، أن
یکون على الإختصاص ، وتجویز کل واحد من الأقوال الأخر ، وهذا أظهر وأسبق إلى
الفهم .
المعنى : لما بین تعالى حال المؤمنین ، وصله بذکر الکافرین . والکفر
فی الشرع : عبارة عن جحد ما أوجب الله تعالى معرفته من توحیده ، وعدله ،
ومعرفة نبیه ، وما جاء به من أرکان الشرع ، فمن جحد شیئا من ذلک کان
کافرا . وهذه الآیة تدل على أن فی المکلفین من لا لطف له ، لأنه لو کان لفعل
ولآمنوا . فلما أخبر أنهم لا یؤمنون ، علم أنهم لا لطف لهم . وتدل على صدق
النبی صلى الله علیه وآله وسلم ، لأنه أخبر بأنهم ( 1 ) لا یؤمنون ، فکان کما أخبر . وتدل أیضا على أنه
یجوز أن یخاطب الله تعالى بالعام ، والمراد به الخاص فی قول من قال الآیة عامة ،
لأنا نعلم أن فی الکفار من آمن ، وانتفع بالإنذار .
سؤال : إن قال قائل : إذا علم الله تعالى بأنهم لا یؤمنون ، وکانوا قادرین على
الإیمان عندکم ، فما أنکرتم أن یکونوا قادرین على إبطال علم الله بأنهم لا یؤمنون ؟
الجواب : إنه لا یجب ذلک ، کما أنه لا یجب إذا کانوا مأمورین بالإیمان أن
یکونوا مأمورین بإبطال علم الله ، کما لا یجب إذا کان الله تعالى قادرا على أن یقیم
القیامة الساعة ، أن یکون قادرا على إبطال علمه بأنه لا یقیمها الساعة .


( 1 ) وفی النسخ الموجودة عندنا ( أن هؤلاء ) مکان ( بأنهم ) .


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب