|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ٦۸
وثانیها : أن یکون
معنى استهزاء الله تعالى بهم : تخطئته إیاهم ، وتجهیله لهم فی إقامتهم على الکفر ،
وإصرارهم على الضلال . والعرب تقیم الشئ مقام ما یقاربه فی معناه . قال
الشاعر ( 1 ) :
إن دهرا یلف شملی بجمل * لزمان یهم بالإحسان
وقال آخر :
کم أناس فی نعیم عمروا * فی ذرى ملک تعالى فبسق
سکت الدهر زمانا عنهم ، * ثم أبکاهم دما حین نطق
والدهر لا یوصف بالسکوت والنطق والهم ، وإنما ذکر ذلک على الاستعارة
والتشبیه . وثالثها : أن یکون معنى الاستهزاء المضاف إلیه تعالى ، أن یستدرجهم
ویهلکهم من حیث لا یعلمون . وقد روی عن ابن عباس أنه قال فی معنى
الاستدراج : إنهم کلما أحدثوا خطیئة ، جدد الله لهم نعمة . وإنما سمی هذا الفعل
استهزاء لأن ذلک فی الظاهر نعمة ، والمراد به استدراجهم إلى الهلاک والعقاب الذی
استحقوه بما تقدم من کفرهم ورابعها : إن معنى استهزائه بهم : إنه جعل لهم بما
أظهروه من موافقة أهل الإیمان ظاهر أحکامهم من الموارثة والمناکحة والمدافنة وغیر
ذلک من الأحکام ، وإن کان قد أعد لهم فی الآخرة ألیم العقاب بما أبطنوه من
النفاق ، فهو سبحانه کالمستهزئ بهم من حیث جعل لهم أحکام المؤمنین ظاهرا ، ثم
میزهم منهم فی الآخرة وخامسها : ما روی عن ابن عباس أنه قال : یفتح لهم وهم فی
النار باب من الجنة ، فیقبلون من النار إلیه مسرعین ، حتى إذا انتهوا إلیه سد علیهم ،
وفتح لهم باب آخر فی موضع آخر ، فیقبلون من النار إلیه مسرعین ، حتى إذا انتهوا
إلیه ، سد علیهم ، فیضحک المؤمنون منهم ، فلذلک قال الله عز وجل : ( فالیوم
الذین آمنوا من الکفار یضحکون ) وهذه الوجوه الذی ذکرناها یمکن أن تذکر فی قوله
تعالى : ( ویمکرون ویمکر الله ویخادعون الله وهو خادعهم ) وأما قوله و ( یمدهم فی
طغیانهم یعمهون ) ففیه وجهان :
أحدهما : أن یرید أن یملی لهم لیؤمنوا ، وهم مع ذلک متمسکون بطغیانهم ،
وعمههم ، والآخر : إنه یرید أن یترکهم من فوائده ومنحه التی یؤتیها المؤمنین ثوابا
لهم ، ویمنعها الکافرین عقابا لهم ، کشرح الصدر وتنویر القلب ، فهم فی طغیانهم
أی : کفرهم وضلالهم ، یعمهون أی : یتحیرون ، لأنهم قد أعرضوا عن الحق
فتحیروا وترددوا .
( 1 ) وهو حسان بن ثابت الأنصاری . جمل بالضم : اسم محبوبته .
|