تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۸۲   

مثله ) قال بعضهم : إن " من " بمعنى التبعیض ، وتقدیره : فأتوا
ببعض ما هو مثل له وهو سورة . وقیل : هو لتبیین الصفة . وقیل : إن " من "
مزیدة لقوله فی موضع آخر بسورة " مثله " أی : مثل هذا القرآن . وتعود الهاء
فی ( مثله ) إلى " ما " من قوله ( مما نزلنا على عبدنا ) فی الأقوال الثلاثة .
وقیل : إن " من " بمعنى ابتداء الغایة . والهاء من " مثله " : یعود إلى
" عبدنا " ، فیکون معناه بسورة من رجل مثله . والأول أقوى لما نذکره بعد .
المعنى : لما احتج الله تعالى للتوحید ، عقبه من الإحتجاج للنبوة بما قطع
عذرهم فقال : وإن کنتم فی شک من صدق هذا الکتاب الذی أنزلنا على
محمد صلى الله علیه وآله وسلم ، وقلتم لا ندری هل هو من عند الله أم لا ( فأتوا بسورة من مثله )
أی : من مثل القرآن . وعلی قول من یقول الضمیر فی مثله عائد إلى " عبدنا " :
فالمعنى فأتوا بسورة من بشر أمی مثله لا یحسن الخط والکتابة ، ولا یدری الکتب .
والصحیح هو الأول لقوله تعالى فی سورة أخرى : " فلیأتوا بحدیث مثله " ، وقوله
" فأتوا بسورة مثله " . وقوله : " لئن اجتمعت الإنس والجن على أن یأتوا بمثل هذا
القرآن لا یأتون بمثله ) یعنی فأتوا بسورة مثلما أتى به محمد فی الإعجاز من حسن
النظم وجزالة اللفظ والفصاحة التی اختصت به ، والإخبار عما کان وعما یکون ، دون
تعلم الکتب ، ودراسة الأخبار . وقوله : " وادعوا شهداءکم " قال ابن عباس : یعنی
أعوانکم وأنصارکم الذین یظاهرونکم على تکذیبکم . وسمی أعوانهم شهداء ، لأنهم
یشاهدونهم عند المعاونة . والشهید یکون بمعنى المشاهد کالجلیس والأکیل ، ویسمى
الشاهد على الشئ لغیره بما یحقق دعواه بأنه شهید أیضا . وقوله : ( من دون الله )
أی من غیر الله ، کما یقال : ما دون الله مخلوق ، یرید وادعوا من اتخذتموهم
معاونین من غیر الله ( إن کنتم صادقین ) فی أن هذا الکتاب یقوله محمد من نفسه .
وقال الفراء : أراد وادعوا آلهتکم . وقال مجاهد ، وابن جریج : أراد قوما یشهدون
لکم بذلک ممن یقبل قولهم . وقول ابن عباس أقوى . لأن معناه استنصروا أعوانکم
على أن یأتوا بمثله ، لأن الدعاء بمعنى الاستعانة کما قال الشاعر ( 1 ) :
فلما التقت فرساننا ، ورجالنا ، * دعوا : یا لکعب ، واعتزینا لعامر
وقال آخر :
وقبلک رب خصم قد تمالوا * علی فما جزعت ، ولا دعوت ( 2 )
وأما قول مجاهد ، فلا وجه له ، لأن الشاهدین لا یخلو إما أن یکونوا مؤمنین ،
أو کفارا . فالمؤمنون لا یکونون شهداء للکفار ، والکفار لا بد أن یسارعوا إلى إبطال
الحق ، أو تحقیق الباطل ، إذا دعوا إلیه . فمن أی الفریقین یکون شهداؤهم ؟ ولکن
ینبغی أن یجری ذلک مجرى قوله تعالى : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن
یأتوا بمثل هذا القرآن لا یأتون بمثله ولو کان بعضهم لبعض ظهیرا ) وقال قوم : إن
هذا الوجه جائز أیضا صحته ، لأن العقلاء لا یجوز أن یحملوا نفوسهم على الشهادة
بما یفتضحون به فی کلام أنه مثل القرآن ، ولا یکون مثله ، کما لا یجوز أن یحملوا
نفوسهم على أن یعارضوا
_____________________________
( 1 ) هو : الراعی .
( 2 ) قائله : بستان بن العجل . وفی أکثر النسخ : ( هلعت ) بدل ( جزعت ) .


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب