|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۸٤
النار " أی : فاحذروا أن تصلوا النار بتکذیبکم ، وإنما جاز
أن یکون قوله " فاتقوا النار " جواب الشرط ، مع لزوم اتقاء النار ، کیف تصرفت
الحال ، لأنه لا یلزمهم الاتقاء إلا بعد التصدیق بالنبوة ، ولا یصح العلم بالنبوة إلا بعد
قیام المعجزة ، فکأنه قال : " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " فقد قامت الحجة ، ووجب
اتقاء النار " التی وقودها " أی : حطبها ( الناس والحجارة ) وهی جمع حجر .
وقیل : إنها حجارة الکبریت ، لأنها أحر شئ إذا أحمیت ، عن ابن مسعود ، وابن
عباس . والظاهر أن الناس والحجارة وقود النار أی : حطبها یرید بها أصنامهم
المنحوتة من الحجارة ، کقوله تعالى : ( إنکم وما تعبدون من دون الله حصب
جهنم ) . وقیل : ذکر الحجارة دلیل على عظم تلک النار ، لأنها لا تأکل الحجارة إلا
وهی فی غایة الفظاعة والهول . وقیل : معناه إن أجسادهم تبقى على النار بقاء
الحجارة التی توقد بها النار بتبقیة الله إیاها ، ویؤید ذلک قوله ( کلما نضجت
جلودهم ) الآیة . وقیل : معناه إنهم یعذبون بالحجارة المحمیة بالنار . وقوله تعالى :
( أعدت للکافرین ) معناه : خلقت وهیئت للکافرین ، لأنهم الذین یخلدون فیها ،
ولأنهم أکثر أهل النار ، فأضیفت إلیهم . وقیل : إنما خص النار بکونها معدة
للکافرین ، وإن کانت معدة للفاسقین أیضا ، لأنه یرید بذلک نارا مخصوصة لا یدخلها
غیرهم ، کما قال : ( إن المنافقین فی الدرک الأسفل من النار ) .
وهذه الآیة تدل على بطلان قول من حرم النظر والحجاج العقلی ، لأن الله عز
اسمه احتج على الکفار بما ذکره فی هذه الآیة ، وألزمهم به تصدیق نبیه ، علیه
الصلاة والسلام ، وقررهم بأن القرآن کلامه إذ قال : إن کان هذا القرآن کلام محمد
فأتوا بسورة من مثله ، لأنه لو کان کلام البشر لتهیأ لکم مع تقدمکم فی البلاغة
والفصاحة الإتیان بمثله ، أو بسورة منه ، مع قوة دواعیکم إلیه ، فإذا لم یتأت لکم
ذلک ، فاعلموا بعقولکم أنه کلام الله تعالى ، وهذا هو المراد بالاحتجاج العقلی .
واستدل بقوله " أعدت للکافرین " على أن النار مخلوقة الآن ، لأن المعد لا یکون إلا
موجودا ، وکذلک الجنة بقوله ( أعدت للمتقین ) والفائدة فی ذلک أنا وإن لم
نشاهدهما ، فإن الملائکة یشاهدونهما ، وهم من أهل التکلیف والاستدلال ، فیعرفون
ثواب الله للمتقین ، وعقابه للکافرین .
قوله تعالى ( وبشر الذین آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجری من تحتها
الأنهار کلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذی رزقنا من قبل
وأتوا به متشابها ولهم فیها أزواج مطهرة وهم فیها خالدون ( 25 ) ) .
اللغة : البشارة : هی الإخبار بما یسر المخبر به إذا کان سابقا لکل خبر
سواه ، لأن الثانی لا یسمى بشارة . وقد قیل للاخبار بما یعم أیضا : بشارة ،
کقوله تعالى : " وبشرهم بعذاب ألیم " وذلک على سبیل التوسع ، وهی مأخوذة
من البشرة : وهی ظاهر الجلد لتغیرها بأول خبر . وتباشیر الصبح : أوله .
والجنات : جمع الجنة ، وهی البستان . والمراد بذکر الجنة : ما فی الجنة من
أشجارها وثمارها ، دون أرضها ، فلذلک قال ( تجری من تحتها الأنهار ) لأن
من المعلوم أنه أراد الخبر عن ماء أنهارها ، بأنه جار تحت الأشجار ، لأن الماء
إذا کانت تحت الأرض ،
|