|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۸۸
أحدهما : أن یکون خبرا لمبتدأ محذوف فی صلة " ما " فکأنه قال الذی هو
بعوضة ، کقراءة من قرأ تماما على الذی أحسن بالرفع . وهذا عند سیبویه ضعیف ،
وهو فی الذی أقوى ، لأن الذی أطول ، ولیس للذی مذهب غیر الأسماء . والثانی :
على الجواب کأنه لما قیل ( إن الله لا یستحیی أن یضرب مثلا ما ) قیل ما هو ؟
فقیل : " بعوضة " أی : بعوضة کما تقول : مررت برجل زید أی : هو زید ، فتکون
( ما ) على هذا الوجه نکرة مجردة من الصفة والصلة . وقوله ( فأما الذین آمنوا ) لغة
العرب جمیعا بالتشدید ، وکثیر من بنی تمیم یقولون : إیما فلان ، فیفعل کذا . وأنشد
بعضهم ( 1 ) :
مبتلة هیفاء أیما وشاحها * فیجری ، وأیما الحجل منها فلا یجری
وهی کلمة تجئ فی شیئین ، أو أشیاء ، یفصل القول بینهما ، کقولک : اما
زید فمحسن ، وأما عمرو فمسئ . فزید : مبتدأ ، ومحسن : خبره . وفیها معنى
الشرط والجزاء ، وتقدیره : مهما یکن من شئ فزید محسن . ثم أقیم " أما " مقام
الشرط ، فیحصل أما فزید محسن ، ثم أخر الفاء إلى الخبر ، لإصلاح اللفظ ،
ولکراهة أن تقع الفاء التی للتعقیب فی أول الکلام . فقوله ( الذین آمنوا ) على هذا
یکون مبتدأ ، ویعلمون : خبره . وکذلک " الذین کفروا " مبتدأ ، ویقولون : خبره .
وقوله " ماذا أراد الله بهذا مثلا " ما : استفهام ، وهو اسم فی موضع الرفع بالابتداء ،
وذا : بمعنى الذی ، وصلته ما بعده ، وهو فی موضع رفع بأنه خبر المبتدأ ، تقدیره :
أی شئ الذی أراد الله . فعلى هذا یکون الجواب رفعا کقولک البیان لحال الذی
ضرب له المثل ، ویحتمل أن یکون ما وذا بمنزلة اسم واحد ، تقدیره أی شئ أراد
الله . فیکون فی موضع نصب بأنه مفعول أراد . فعلى هذا یکون الجواب نصبا کقولک
البیان لحال من ضرب له المثل . ومثال الأول قوله تعالى : ( ماذا أنزل ربکم قالوا
أساطیر الأولین ) ومثال الثانی : قوله ( ماذا أنزل ربکم قالوا خیرا ومثلا ) منصوب على
الحال . وقیل : على القطع . وقیل : على التفسیر .
النزول : روی عن ابن مسعود ، وابن عباس أن الله تعالى لما ضرب
المثلین قبل هذه الآیة للمنافقین ، یعنی قوله " مثلهم کمثل الذی استوقد نارا "
وقوله ( أو کصیب من السماء ) قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن یضرب
هذه الأمثال . فأنزل الله تعالى هذه الآیة .
المعنى : " إن الله لا یستحیی " أی لا یدع . وقیل : لا یمتنع لأن أحدنا
إذا استحیى من شئ ترکه ، وامتنع منه ، ومعناه : إن الله لا یدع ضرب المثل
بالأشیاء الحقیرة لحقارتها ، إذا رأى الصلاح فی ضرب المثل بها . وقیل : معناه
هو أن الذی یستحیى منه ما یکون قبیحا فی نفسه ، ویکون لفاعله عیب فی
فعله ، فأخبر الله تعالى أن ضرب المثل لیس بقبیح ، ولا عیب ، حتى یستحیی
منه . وقیل : معناه إنه لا یخشى أن یضرب مثلا کما قال ( وتخشى الناس والله
أحق أن تخشاه ) أی : تستحیی الناس ، والله أحق أن تستحییه . فالاستحیاء
بمعنى الخشیة هنا ، کما أن الخشیة بمعنى
( 1 ) والقائل : هو الأخطل .
|