تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۸۹   

الاستحیاء هناک . وأصل
الاستحیاء : الانقباض عن الشئ ، والامتناع منه خوفا من مواقعة القبیح .
وقال علی بن عیسى : معناه إنه لیس فی ضرب المثل بالحقیر للحقیر عیب
یستحیى منه ، فکأنه قال : لا یحل ضرب المثل بالبعوض محل ما یستحیى منه ،
فوضع قوله ( إن الله لا یستحیی ) موضعه وقوله : ( ما بعوضة فما فوقها ) أی : ما هو
أعظم منها ، عن قتادة وابن جریج . وقیل : فما فوقها فی الصغر والقلة ، لأن الغرض
ههنا الصغر . وقال الربیع بن أنس : إن البعوضة تحیى ما جاعت ، فإذا سمنت
ماتت ، فکذلک القوم الذین ضرب لهم هذا المثل ، إذا امتلأوا من الدنیا ریا ،
أخذهم الله عند ذلک . ثم تلا ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ) وروی عن
الصادق علیه السلام ، أنه قال : إنما ضرب الله المثل بالبعوضة ، لأن البعوضة على صغر
حجمها ، خلق الله فیها جمیع ما خلق فی الفیل مع کبره ، وزیادة عضوین آخرین ،
فأراد الله تعالى أن ینبه بذلک المؤمنین على لطیف خلقه ، وعجیب صنعه . وقد
استشهد على استحسان ضرب المثل بالشئ الحقیر فی کلام العرب بقول الفرزدق :
ضربت علیک العنکبوت بنسجها ، وقضى علیک به الکتاب المنزل
وبقوله أیضا :
وهل شئ یکون أذل بیتا * من الیربوع یحتفر الترابا
وقوله " فأما الذین آمنوا " أی : صدقوا محمدا والقرآن ، وقبلوا الاسلام
" فیعلمون أنه الحق من ربهم " مدحهم الله تعالى بأنهم تدبروا حتى علموا أنه من
ربهم ، وأن المثل وقع فی حقه " وأما الذین کفروا " بالقرآن " فیقولون " أی :
فلاعراضهم عن طریق الاستدلال ، وإنکارهم الحق ، قالوا " ماذا أراد الله بهذا مثلا "
أی : ماذا أراد الله بهذا المثل ؟ فحذف الألف واللام . وقوله ( یضل به کثیرا ویهدی
به کثیرا " فیه وجهان أحدهما : حکی عن الفراء أنه قال : إنه حکایة عمن قال ماذا
أراد الله بهذا مثلا ، " یضل به کثیرا ویهدی به کثیرا " ، أی : یضل به قوم ، ویهتدی
به قوم . ثم قال الله تعالى " وما یضل به إلا الفاسقین " فبین تعالى أنه لا یضل إلا
فاسقا ضالا ، وهذا وجه حسن . والآخر : إنه کلامه تعالى ابتداء وکلاهما محتمل ،
وإذا کان محمولا على هذا فمعنى قوله " یضل به کثیرا " أن الکفار یکذبون به ،
وینکرونه ، ویقولون لیس هو من عند الله ، فیضلون بسببه ، وإذا حصل الضلال بسببه
أضیف إلیه وقوله " ویهدی به کثیرا " یعنی الذین آمنوا به وصدقوه . وقالوا هذا فی
موضعه ، فلما حصلت الهدایة بسببه ، أضیف إلیه . فمعنى الإضلال على هذا تشدید
الامتحان الذی یکون عنده الضلال ، وذلک بأن ضرب ( 1 ) لهم الأمثال ، لأن المحنة إذا
اشتدت على الممتحن ، فضل عندها ، سمیت إضلالا . وإذا سهلت فاهتدى ،
سمیت هدایة .
فالمعنى : إن الله تعالى یمتحن بهذه الأمثال عباده ، فیضل بها قوم کثیر ،
ویهتدی بها قوم کثیر ، ومثله قوله : ( رب إنهن أضللن کثیرا من الناس ) أی : ضلوا
عندها . وهذا کما یقال للرجل إذا


( 1 ) [ الله ] .


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب