تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۹٠   

أدخل الفضة النار لینظر فسادها من صلاحها ، فظهر
فسادها ، أفسدت فضتک ، وهو لم یفعل فیها الفساد ، وإنما یراد أن فسادها ظهر عند
محنته . وقریب من ذلک قولهم : فلان أضل ناقته ، ولا یریدون أنه أراد أن یضل ،
وإنما یریدون ضلت منه لا من غیره . وقولهم : أفسدت فلانة فلانا ، وأذهبت عقله ،
وهی ربما لم تعرفه ، ولکن لما ذهب عقله ، وفسد من أجلها ، أضیف الفساد إلیها .
وقد یکون الإضلال بمعنى التخلیة على جهة العقوبة ، وترک المنع بالقهر ، ومنع
الألطاف التی یفعل بالمؤمنین ، جزاء على إیمانهم . وهذا کما یقال لمن لا یصلح
سیفه : أفسدت سیفک ، أرید به أنک تحدث فیه الإصلاح فی کل وقت بالصقل
والاحداد . وقد یکون ( 1 ) الإضلال بمعنى التسمیة بالضلال والحکم به ، کما یقال
أضله إذا نسبه إلى الضلال ، وأکفره : إذا نسبه إلى الکفر . قال الکمیت :
فطائفة قد أکفرونی بحبکم ، * وطائفة قالوا مسئ ومذنب
وقد یکون الإضلال بمعنى الإهلاک ، والعذاب ، والتدمیر ، ومنه قوله تعالى
( إن المجرمین فی ضلال وسعر یوم یسحبون فی النار على وجوههم ) ومنه قوله
تعالى : ( أئذا ضللنا فی الأرض ) أی : هلکنا وقوله ( والذین قتلوا فی سبیل الله فلن
یضل أعمالهم ) أی : لن یبطل ، سیهدیهم ، ویصلح بالهم . فعلى هذا یکون
المعنى : إن الله تعالى یهلک ویعذب بالکفر به کثیرا ، بأن یضلهم عن الثواب ،
وطریق الجنة بسببه فیهلکوا ، ویهدی إلى الثواب وطریق الجنة بالإیمان به کثیرا ، عن
أبی علی الجبائی . ویدل على ذلک قوله ( وما یضل به إلا الفاسقین ) لأنه لا یخلو من
أن یکون أراد به العقوبة على التکذیب کما قلناه ( 2 ) ، أو یکون أراد به التحییر
والتشکیک . فإن أراد الحیرة ، فقد ذکر أنه لا یفعل إلا بالفاسق المتحیر الشاک ،
فیجب أن لا تکون الحیرة المتقدمة التی بها صاروا فساقا من فعله ، إلا إذا وجدت
حیرة قبلها ، أیضا . وهذا یوجب وجود ما لا نهایة له من حیرة قبل حیرة ، لا إلى
أول ، أو ثبوت اضلال لا اضلال قبله . وإذا کان ذلک من فعله ، فقد أضل من لم
یکن فاسقا ، وهو خلاف قوله ( وما یضل به إلا الفاسقین ) .
وعلى هذا الوجه فیجوز أن یکون حکم الله تعالى علیهم بالکفر ، وبراءته
منهم ، ولعنته علیهم ، إهلاکا لهم ، ویکون إهلاکه ، إضلالا . وکل ما فی القران من
الإضلال المنسوب إلى الله تعالى ، فهو بمعنى ما ذکرناه من الوجوه . ولا یجوز أن
یضاف إلى الله تعالى الإضلال الذی أضافه إلى الشیطان ، وإلى فرعون والسامری ،
بقوله ( ولقد أضل منکم جبلا کثیرا ) وقوله : ( وأضل فرعون قومه ) وقوله :
( وأضلهم السامری ) وهو أن یکون بمعنى التلبیس ، والتغلیط ، والتشکیک ، والإیقاع
فی الفساد ، والضلال ، وغیر ذلک ، مما یؤدی إلى التظلیم والتجویر على ما یذهب
إلیه المجبرة ، تعالى الله عن ذلک علوا کبیرا .


( 1 ) [ عندها ] .
( 2 ) [ قال ] .


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب