|
|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۹۱
فصل فی حقیقة الهدایة والهدى :وإذ قد ذکرنا أقسام الإضلال ، وما یجوز إضافته إلى الله تعالى منها ، وما لا یجوز فلنذکر أقسام الهدایة التی هی ضده : إعلم أن الهدایة فی القرآن تقع على وجوه أحدها : أن تکون بمعنى الدلالة والإرشاد ، یقال : هداه الطریق ، وللطریق ، وإلى الطریق : إذا دله علیه ، وهذا الوجه عام لجمیع المکلفین ، فإن الله تعالى هدى کل مکلف إلى الحق ، بأن دله علیه ، وأرشده إلیه ، لأنه کلفه الوصول إلیه ، فلو لم یدله علیه ، لکان قد کلفه بما لا یطیق . ویدل علیه قوله تعالى : ( ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) ، وقوله : ( إنا هدیناه السبیل ) ، وقوله : ( أنزل فیه القرآن هدى للناس ) ، وقوله : ( وأما ثمود فهدیناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) ، وقوله : ( وإنک لتهدی إلى صراط مستقیم ) ، وقوله : ( وهدیناه النجدین ) ، وما أشبه ذلک من الآیات . وثانیها : أن یکون بمعنى زیادة الألطاف التی بها یثبت على الهدى ، ومنه قوله تعالى ( والذین اهتدوا زادهم هدى ) أی : شرح صدورهم ، وثبتها وثالثها : أن یکون بمعنى الإثابة ، ومنه قوله تعالى : ( یهدیهم ربهم بإیمانهم تجری من تحتهم الأنهار فی جنات النعیم ) ، وقوله : ( والذین قتلوا فی سبیل الله فلن یضل أعمالهم سیهدیهم ویصلح بالهم ) والهدایة التی تکون بعد قتلهم : هی إثابتهم لا محالة ، لأنه لیس بعد الموت تکلیف ورابعها : الحکم بالهدایة ، کقوله تعالى : ( ومن یهد الله فهو المهتد ) . وهذه الوجوه الثلاثة خاصة بالمؤمنین دون غیرهم ، لأنه تعالى إنما یثیب من یستحق الإثابة ، وهم المؤمنون ، ویزیدهم بإیمانهم ، وطاعاتهم ألطافا ، ویحکم لهم بالهدایة لذلک أیضا وخامسها : أن تکون الهدایة بمعنى جعل الانسان مهتدیا ، بأن یخلق الهدایة فیه ، کما یجعل الشئ متحرکا بخلق الحرکة فیه . والله تعالى یفعل العلوم الضروریة فی القلوب ، فذلک هدایة منه تعالى . وهذا الوجه أیضا عام لجمیع العقلاء کالوجه الأول . فأما الهدایة التی کلف الله تعالى العباد فعلها کالإیمان به ، وبأنبیائه ، وغیر ذلک ، فإنها من فعل العباد ، ولذلک یستحقون علیها المدح والثواب ، وإن کان الله سبحانه قد أنعم علیهم بدلالتهم على ذلک ، وإرشادهم إلیه ، ودعائهم إلى فعله ، وتکلیفهم إیاه ، وأمرهم به ، فهو من هذا الوجه نعمة منه سبحانه علیهم ، ومنة منه واصلة إلیهم ، وفضل منه وإحسان لدیهم ، فهو سبحانه مشکور على ذلک ، محمود إذ فعل بتمکینه ، وألطافه ، وضروب تسهیلاته ، ومعوناته . |
|