|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۹٤
قال : تقدیره عجبا منکم
على أی حال یقع منکم الکفر بالله ، مع الدلائل الظاهرة على وحدانیته ،
والمعجزات القاهرة على صدق من اختصه برسالته ، وقیام الحجج الباهرة على
وجوب طاعته ، وشکر نعمته . ثم ذکر سبحانه بعض نعمه علیهم ، فقال
( وکنتم أمواتا فأحیاکم ) أی : وحالکم أنکم کنتم أمواتا وفیه وجوه أحدها :
إنهم کانوا أمواتا فی أصلاب آبائهم ، یعنی نطفا ، فأحیاهم الله ، ثم أماتهم
الموتة التی لا بد منها ، ثم أحیاهم بعد الموت ، فهما حیاتان وموتتان ، عن
قتادة وثانیها : إن معناه لم تکونوا شیئا فخلقکم ثم یمیتکم ، ثم یحییکم یوم
القیامة ، عن ابن عباس ، وابن مسعود وثالثها : إن معناه کنتم أمواتا یعنی
خاملی الذکر ، فأحیاکم بالظهور ، ثم یمیتکم عند تقضی آجالکم ، ثم یحییکم
للبعث . والعرب تسمی کل امرئ خامل میتا ، وکل امرئ مشهور حیا ، کما
قال أبو نخیلة السعدی :
فأحییت من ذکری ، وما کان خاملا ، * ولکن بعض الذکر أنبه من بعض
ورابعها : إن معناه : کنتم نطفا فی أصلاب آبائکم ، وبطون أمهاتکم ، والنطفة
موات ، فأخرجکم إلى دار الدنیا أحیاء " ثم یمیتکم ثم یحییکم " فی القبر للمسألة
" ثم إلیه ترجعون " أی : یبعثکم یوم الحشر للحساب والمجازاة على الأعمال .
وسمى الحشر رجوعا إلى الله تعالى ، لأنه رجوع إلى حیث لا یکون أحد یتولى الحکم
فیه غیر الله ، کما یقال رجع أمر القوم إلى الأمیر ، ولا یراد به الرجوع من مکان إلى
مکان ، وإنما یراد به أن النظر صار له خاصة دون غیره . وإنما بدأ الله تعالى بذکر
الحیاة من بین سائر النعم التی أنعم بها على العبد ، لأن أول نعمة أنعم الله بها علیه ،
خلقه إیاه حیا ، لینفعه ، وبالحیاة یتمکن الانسان من الانتفاع والالتذاذ . وإنما عد
الموت من النعم ، وهو یقطع النعم فی الظاهر ، لأن الموت یقطع التکلیف ، فیصل
المکلف بعده إلى الثواب الدائم ، فهو من هذا الوجه نعمة . وقیل : إنما ذکر الموت
لتمام الإحتجاج ، لا لکونه نعمة .
وفی هذه الآیة دلالة على أنه تعالى لم یرد من عباده الکفر ، ولا خلقه فیهم ،
لأنه لو أراده منهم ، أو خلقه فیهم ، لم یجز أن یضیفه إلیهم بقوله ( کیف تکفرون
بالله ) کما لا یجوز أن یقول لهم کیف ، أو لم کنتم طوالا ، أو قصارا ، وما أشبه ذلک
مما هو من فعله تعالى فیهم .
قوله تعالى ( هو الذی خلق لکم ما فی الأرض جمیعا ثم استوى إلى السماء
فسواهن سبع سماوات وهو بکل شئ علیم ( 29 ) ) .
اللغة : أصل الخلق التقدیر والجمع الضم ، ونقیضه الفرق . وسمیت
الجمعة جمعة لاجتماع الناس . والاستواء : الاعتدال والاستقامة ، ونقیضه
الإعوجاج . والسبع للمؤنث ، والسبعة للمذکر . والسبع مشتق من ذلک ، لأنه
مضاعف القوى کأنه ضوعف سبع مرات . والعلیم فی معنى العالم . قال
سیبویه : إذا أرادوا المبالغة عدوا إلى فعیل ، نحو : علیم ، ورحیم .
|