|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۹۵
المعنى : قال المفسرون : لما استعظم المشرکون أمر الإعادة ، عرفهم
الله تعالى خلق السماوات والأرض ، لیدلهم بذلک على قدرته على الإعادة ،
فقال ( هو الذی خلق لکم ) أی : لأجلکم ( ما فی الأرض جمیعا ) ما فی
موضع نصب بأنه مفعول بها ، ومعناه : إن الأرض وجمیع ما فیها نعم من
الله تعالى ، مخلوقة لکم ، إما دینیة فتستدلون بها على معرفته ، وإما دنیاویة
فتنتفعون بها بضروب النفع عاجلا . وقوله ( ثم استوى إلى السماء ) فیه وجوه
أحدها : إن معناه قصد للسماء ولتسویتها ، کقول القائل : کان الأمیر یدبر أمر
الشام ، ثم استوى إلى أهل الحجاز أی : تحول تدبیره وفعله إلیهم وثانیها : إنه
بمعنى استولى على السماء بالقهر ، کما قال " لتستووا على ظهوره " أی :
تقهروه ، ومنه قوله " ولما بلغ أشده واستوى " أی تمکن من أمره ، وقهر هواه
بعقله ، فعلى هذا یکون معناه : ثم استوى إلى السماء فی تفرده بملکها ، ولم
یجعلها کالأرض ملکا لخلقه ، ومنه قول الشاعر :
فلما علونا ، واستوینا علیهم ، * ترکناهم صرعى لنسر ، وکاسر ( 1 )
وقال آخر ( 2 ) :
ثم استوى بشر على العراق * من غیر سیف ، ودم مهراق
وثالثها : إن معناه : ثم استوى أمره ، وصعد إلى السماء ، لأن أوامره وقضایاه
تنزل من السماء إلى الأرض ، عن ابن عباس ورابعها : ما روى عن ثعلب أحمد بن
یحیى أنه سئل عن معنى الاستواء فی صفة الله عز وجل فقال : الاستواء الإقبال على
الشئ یقال : کان فلان مقبلا على فلان [ یشتمه ] ثم استوى علی وإلی یکلمنی ، على
معنى أقبل إلی ، وعلی . فهذا معنى قوله ( ثم استوى إلى السماء ) . وقوله :
" فسواهن سبع سماوات " التسویة : جعل الشیئین أو الأشیاء على استواء ، یقال :
سویت الشیئین فاستویا ، وإنما قال : فسواهن ، فجمع الضمیر العائد إلى السماء ،
لأن السماء اسم جنس یدل على القلیل والکثیر ، کقولهم أهلک الناس الدینار
والدرهم . وقیل : السماء جمع سماوة وسماءة ، ولذلک یؤنث مرة ، ویذکر أخرى .
فقیل : السماء منفطر به ، کما یفعل ذلک بالجمع الذی بینه وبین واحده الهاء نحو :
نخل ونخلة ، وبقر وبقرة . وقیل : إن السماوات کانت سماء فوق سماء ، فهی فی
التقدیر واحدة ، وتکون الواحدة جماعة کما یقال ثوب أخلاق وأسمال ، وبرقة
أعشار ( 3 ) ، وأرض أعقال . والمعنى : إن کل ناحیة منها کذلک ، فجمع على هذا
المعنى ، جعلهن سبع سماوات مستویات بلا فطور ، ولا أمت . قال علی بن عیسى :
إن السماوات غیر الأفلاک ، لأن
( 1 ) الکاسر : العقاب .
( 2 ) القائل : البعیث .
( 3 ) وفی نسخنا المطبوعة والمخطوطة : " برمة " وهی بالضم : القدر من الحجارة . ومعنى برمة
أعشار : القدر المکسور على عشر قطع .
|