تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۹۹   

أحدها : إن خلقا
یقال لهم الجان ، کانوا فی الأرض ، فأفسدوا فیها ، فبعث الله ملائکة أجلتهم من
الأرض ، وکان هؤلاء الملائکة سکان الأرض من بعدهم ، فقالوا یا ربنا ( أتجعل فیها
من یفسد فیها ) کما فعل بنو الجان . قاسوا بالشاهد على الغائب ، وهو قول کثیر من
المفسرین . وثانیها : إن الملائکة إنما قالت ذلک على سبیل الاستفهام ، وعلى وجه
الاستخبار والاستعلام عن وجه المصلحة والحکمة ، لا على وجه الانکار ، ولا على
سبیل الإخبار ، فکأنهم قالوا : یا الله إن کان هذا کما ظننا فعرفنا ما وجه الحکمة فیه .
وثالثها : إن الله تعالى أخبر الملائکة بأنه سیکون من ذریة هذا الخلیفة من
یعصی ، ویسفک الدماء على ما روی ، عن ابن عباس ، وابن مسعود . والغرض فی
إعلامه إیاهم أن یزیدهم یقینا على وجه علمه بالغیب ، لأنه وجد بعد ذلک على ما
أخبرهم به . وقیل : لیعلم آدم أنه خلق للأرض لا للجنة ، فقالت الملائکة : أتجعل
فیها من یفعل کذا وکذا على وجه التعرف لما فی هذا من التدبیر والاستفادة لوجه
الحکمة فیه . وهذا الوجه یقتضی أن یکون فی أول الکلام حذف ، ویکون التقدیر :
إنی جاعل فی الأرض خلیفة ، وإنی عالم بأنه سیکون فی ذریته من یفسد فیها ،
ویسفک الدماء ، فحذف اختصارا .
وکذلک قوله ( أتجعل فیها من یفسد فیها ویسفک الدماء ونحن نسبح بحمدک
ونقدس لک ) فی ضمنه اختصار شدید أی : فنحن على ما نظنه ویظهر لنا من الأمر
أولى بالخلافة فی الأرض ، لأنا نطیع ، وغیرنا یعصی وفی قوله ( إنی أعلم ما لا
تعلمون ) اختصار أیضا ، لأنه یتضمن أنی أعلم من مصالح المکلفین ما لا تعلمونه ،
وما یکون مخالفا لما تظنونه على ظواهر الأمور . ومثل هذه الحذوف العجیبة ،
والاختصارات البدیعة ، کثیرة فی القرآن . والحذف معدود فی أنواع الفصاحة ، إذا
کان فیما أبقی دلیل على ما ألقی . ومما جاء منه فی الشعر قول الشنفری :
ولا تقبرونی ، إن قبری محرم * علیهم ، ولکن خامری أم عامر
أی : لا تدفنونی ، بل دعونی تأکلنی التی یقال لها خامری أم عامر ، یعنی
الضبع . وقول أبی داود ( 1 ) :
إن من شیمتی لبذل تلادی * دون عرضی ، فإن رضیت فکونی
أی : فکونی على ما أنت علیه ، وإن سخطت فبینی ، فحذف . وقال عنترة :
هل تبلغنی دارها شدنیة * لعنت بمحروم الشراب مصرم
أی : دعی علیها بانقطاع لبنها ، وجفاف ضرعها ، فصارت کذلک . والناقة إذا
کانت لا تنتج کانت أقوى على السیر ، وإنما أرادت الملائکة بقولهم ( أتجعل فیها من
یفسد فیها ) ولد آدم الذین لیسوا بأنبیاء ولا معصومین ، لا آدم نفسه ، ومن یجری
مجراه من الأنبیاء والمعصومین . ومعنى قولهم ( ونحن نسبح بحمدک ) نتکلم بالحمد
لک ، والنطق بالحمد لله تسبیح له کقوله تعالى ( والملائکة یسبحون بحمد ربهم ) .
وإنما یکون حمد الحامد سبحانه تسبیحا لأن معنى


( 1 ) کذا فی نسخنا المخطوطة والمطبوعة ، لکنه محرف أبو دؤاد . راجع ( شرح شواهد مجمع البیان ج 1 ص 196


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب